الرأي
الاثنين 11 محرم 1439 - 02 أكتوبر 2017
هل نرى المرأة السعودية وزيرة وقاضية؟

كانت قضية قيادة المرأة للسيارة لدينا من أكثر القضايا التي أثارت سيلا من الجدال، إذ انخرطت النخب المثقفة في سجالات مطولة على مدى أكثر من عقدين من الزمن، وتحول السجال أحيانا إلى معارك تصنيف استخدمت فيها كل ما في قواميس الاتهامات المتبادلة بين التيارات، والسبب في هذا تأخر البت الرسمي في إقرارها؛ إذ من المشاهد لدينا أنه حال ما يبت في قضية ما رسميا ينتهي الجدال فيها، كأن لم يكن، ويتطبع المجتمع عليها، وتغادر خانة المحرمات الاجتماعية، ويتصالح معها الخطاب الديني.

ويبدو أن قدرنا في كل ما يخص المرأة أن يثور حوله الجدل الاجتماعي والديني، فالخطاب الديني يتبنى الممانعة في كل قضية جديدة من قضايا المرأة سدا لذريعة الفساد، والواقع الاجتماعي يتبنى الممانعة اتباعا للعادات والتقاليد التي تمانع كل جديد، ويحتمي في ممانعته بالخطاب الديني.

والسبب الرئيس بالممانعة في المجتمع أن كل ما يخص المرأة يتعامل معه الخطاب الديني لدينا على أنه قضية دينية خاضعة لمنطق الحلال والحرام، حدث هذا مع قضية تعليم المرأة، ومع قضية دخول المرأة لمجلس الشورى، ومع قضية عمل المرأة، وأخيرا مع قضية قيادة المرأة للسيارة، فكل هذه القضايا كانت في يوم من الأيام من المحرمات لدى خطابنا الديني سدا لذريعة الفساد، ثم بعد أن أصبحت واقعا، وتطبع المجتمع عليها، تصالح معها الخطاب الديني، وكان المفترض دينيا النظر لكل هذه القضايا على أنها من القضايا الدنيوية الخاضعة لتنظيم الدولة كما هي القضايا التي تخص الرجل، مع التوصية الدينية بضبطها وحسن تنظيمها لا المنع فيها كليا.

ويبدو أن كل قضايا المرأة السعودية العالقة في طريقها إلى الحل؛ إذ هي كما ذكرت آنفا قضايا دنيوية وإن ألبست لباسا دينيا إلا قضية توليها المنصب العام كالقضاء والوزارة فإن لجمهور الفقهاء رأيا صريحا بالمنع من ذلك اعتمادا على الحديث الذي رواه البخاري: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى. فقال «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، والحديث حسب جمهور الفقهاء - وإن كان ورد بصيغة الخبر - فإنه يدل على المنع، لكن تفسير الفقهاء له مشكل جدا؛ إذ إن مؤداه على كلامهم أن كل قوم في كل زمان ومكان ولوا أمرهم امرأة لن يفلحوا، وحوادث التاريخ والواقع تبين أن ثمة أقواما أفلحوا بعد أن تولت أمرهم امرأة، فقوم بلقيس ملكة سبأ التي قال الله عنها على لسان الهدهد «إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم» قد أفلحوا، وقادتهم ملكتهم للإيمان واتباع سليمان، وكان رأيها أحكم وأبعد نظرا من قادة جيشها وحاشيتها، وفي التاريخ نساء تولين أمر قومهن وأفلحن، فالملكة إليزابيث الأولى حكمت إنجلترا من سنة 1558 إلى سنة 1603، وقد نجحت إليزابيث خلال حكمها في جلب الاستقرار إلى البلاد، وقد وصف بعض مؤرخي هذه الفترة مثل جون إرنست نيل وألفريد ليزلي روز عهد إليزابيث الأولى بأنه عصر ذهبي للتقدم، وحسب كلام المؤرخين فقد أخذت الدهشة منها البابا المعاصر لها البابا سيكستوس الخامس، وتساءل «إنها ليست سوى امرأة تسيطر على نصف جزيرة، ولكنها صنعت من نفسها قوة تخشاها إسبانيا، وفرنسا، والإمبراطورية، والجميع!»، وفي عهدها هزم الأسطول الإنجليزي الأسطول الإسباني (الأرمادا)، ويعد هذا من أعظم الانتصارات العسكرية في تاريخ الإنجليز، وحسب قراءة المؤرخين فإن عصرها بداية للنهضة الإنجليزية.

وفي العصر الحديث نبغت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا، وأعيد انتخابها من الشعب ثلاث مرات متوالية في حادثة نادرة في تاريخ الوزارة البريطانية، وكان لها تأثير كبير في إعادة حضور بريطانيا في السياسة الدولية، وفي هذه الأيام تحكم ألمانيا - إحدى دول أوروبا المهمة - امرأة، وهي المستشارة أنغيلا ميركل التي استطاعت قيادة ألمانيا للازدهار، ولهذا استطاعت قيادة حزبها للفوز بالانتخابات قبل شهر للمرة الرابعة في ظاهرة نادرة في تاريخ الاستشارية الألمانية.

إن هذه الحقائق التاريخية والواقعية التي فيها إثبات لفلاح أقوام تولت أمرهم نساء تدل على أن الحديث النبوي فهم على غير حقيقته، وإنما كان الحديث تعليقا على الحالة الفارسية خاصة، وقد صدقت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ ما لبثت الدول الفارسية أن انهارت على يد الجيوش الإسلامية، واحتجاج الفقهاء بأن الحديث عام في كل قوم بدلالة صياغته اللغوية؛ إذ جاء بصياغة النكرة في سياق النفي فيه إغفال أن الحديث قد يكون روي بالمعنى، فيكون لفظه من الصحابي، وليس من الرسول صلى الله عليه وسلم.

@Dohyyan_suliman


أضف تعليقاً