تفاعل
الأربعاء 22 ذو الحجة 1438 - 13 سبتمبر 2017
علي الحجي
عام دراسي جديد

مع إطلالة عام دراسي جديد مليء بالعطاء والجد والعمل والإنتاج، يسقي فيه المعلمون فلذات أكبادنا من ينابيع العلم والحكمة والأخلاق، لتبني فيهم أسس العلم والعمل وتخلق فيهم روح الإنسانية والإنتاج، فهم عماد المجتمع القادم، وهم من سنتكئ عليهم عند عجزنا، ونسلمهم راية الإنجاز إذا كللنا.

هذا العطاء والعمل المتجدد يحتاج إلى بيئة تربوية مناسبة محفزة ومتجددة، منظمة ومتكاملة، ولا يمكن للبيئة التعليمية الحالية الوفاء بأبسط مقومات البيئة الافتراضية لتعليم منتج.

وللأسف فقد انصرف المستشرفون ومتبنو نظرية الكنبة للحط من قدر المعلم وتحميله مسؤولية ضعف المخرجات التعليمية، وتحليلات نظرية لأسباب ضعف المخرجات التعليمية تدور حول جوانب نظرية وبأسلوب انتقائي لا يمت لواقع التعليم بصلة. فمتحدث عن سياسيات التعليم وآخر عن عناصر التقييم وثالث عن كفاءة المعلم ورابع عن النشاط المدرسي وغيرها من الأمور البعيدة كل البعد عما يدور داخل الفصل الدراسي بين الطالب والمعلم.

فالتعليم العام ينحدر ويخنق يوما بعد يوم لأسباب ملموسة يتجاهلها من علمها ويجهلها من جهلها، يتجنبها المسؤولون ويترفع عن الخوض فيها المنظرون ومنها:

اكتظاظ المدارس بأعداد هائلة من الطلاب خاصة في المدن، وقد وقفت بنفسي على كثير من مدارس يبلغ عدد طلاب الصف الأول الابتدائي فيها أكثر من 40 طالبا، وأخرى ثانوية يبلغ عدد طلاب الفصل الواحد فيها أكثر من 50 طالبا، فليتفضل حملة حرف (الدال) بشرح طريقة تعليم القراءة والكتابة لهم، أو بتطبيق التعليم النشط عليهم، الحل البسيط لهذه المشكلة بناء عدد مدارس أكثر يتناسب مع تنامي عدد السكان، وتوظيف معلمين أكثر ومواجهة وزارة المالية بهذه المتطلبات بدل الالتفاف حول المشكلة.

استخدام أساليب إدارية فاشلة تقوم في معظمها على طريقة التسليك ونظرية (مشي حالك) و(سددوا وقاربوا) بكتابة ما يطلبه المسؤول، فالمجاملة والعنصرية والتحزبات والعبث بالميزانية التشغيلية خطوط حمراء يتعامى عنها مسؤولو التعليم وهم يعلمونها تجنبا للإزعاج، وحتى لا يفرطوا فيمن تفضل عليهم بقبول مسؤولية الإدارة المدرسية.

يتفاوت مستوى المعلمين بشكل طبيعي، يقع قلة منهم في منطقة الموهوبين المتفانين في أداء الأمانة، بمقابل عينة بسيطة لا تستحق لقب معلم، ويقع بينهما هرم كبير من المعلمين المؤدين لأماناتهم بكل ما يستطيعون حسب الإمكانيات المتاحة، ولم يلفت نظر أصحاب نظرية الكنبة سوى الفئة القليلة في آخر الصف، متناسين تقديم التحفيز المناسب للمعلمين القدوات، وتوفير البيئة التعليمية المناسبة للبياض الأعظم من المعلمين ليعطوا كل ما لديهم.

جوانب تتعلق بالمناهج الدراسية التي تنوء بحملها العصبة بحشو وازدحام يستهلك في بعض المواد حصصا دراسية من الأولى أن يفتح فيها المجال للمواد المنمية لمهارات التفكير، والمساعدة على إخراج أفراد منتجين منمين لوطنهم، فأصبحت حتى المواد العلمية كالأحياء والرياضيات والكيمياء لا تختلف عن التاريخ، فقط حفظ للمعلومات وأسئلة معلبة، أي سؤال يدعو للاستنتاج يعتبر خارج المنهج، لأنه خارج علبة الذاكرة.

الوسائل التعليمية المناسبة غير متاحة وإن وجدت فلا أحد يتابع مدى استخدامها، فيكفي أن نعلم أن بعض المدارس تدرس مادة الحاسب الآلي نظريا لعدم وجود معمل حاسب آلي في المدرسة.

الرقابة والمتابعة ركنان مهمان لنجاح إدارة أي مشروعات، ومنها التعليم، ولا بد منها لتبصير المخطئ بالأسلوب الأمثل لتقديم المادة العلمية، ولا بد من المتابعة الحقيقية لتحفيز المبدعين وعقاب المقصرين للرفع من مستوى الأداء داخل ميدان التعليم.

ويبقى التعليم هو العنصر الأهم لأي أمة ترغب في الصعود إلى مصاف الدول المتقدمة، وما يحدث الآن هو توجه نحو (طبقية التعليم) الذي يفترض أن يكون حقا للجميع، فالآباء من الطبقة المتوسطة والفقيرة لا يمكن أن يوجهوا أبناءهم إلا إلى مدارس التعليم العام التي تخنق يوما بعد يوم، وبالتالي فأبناء هذه الطبقة ستكون بنيتهم هزيلة في ميدان العمل، فيما أبناء الطبقات القادرة يحصلون على تعليم أهلي متميز يؤهلهم لتولي القيادة وراثة عن آبائهم، وبالتالي ترث كل طبقة مكانها، وهذا هو الداء، فالأمم التي لا يكون فيها حراك بين طبقاتها مصيرها الشيخوخة والموت البطيء، ويجب أن نتعلم من نماذج سارت في هذا الاتجاه سلبا، ونماذج عملت بالجانب الإيجابي كماليزيا.


أضف تعليقاً