الرأي
الثلاثاء 21 ذو الحجة 1438 - 12 سبتمبر 2017
دعونا من الأسماء ولننظر للمحتوى

منذ فترة ليست ببعيدة تجدد الحديث في المنطقة العربية عن الأنظمة الاجتماعية السائدة في العالم؛ مثل الديمقراطية والعلمانية والليبرالية، هذه الأنظمة الثلاثة التي تسود العالم اليوم انتهى الجدل حولها في الغرب والشرق، ولم تعد موضع نقاش ولا مقارنة بغيرها من أنواع الأنظمة التي سادت العالم من قبل. أما في العالمين العربي والإسلامي فإن كل شيء قابل للمناقشة والأخذ والرد حتى ما انتهى العالم منه، وأصبح السؤال عن صلاحه من عدمه من فضول القول، ولن نعيد الحديث عن الأسماء ولكن سنتحدث عن الغايات بغض النظر عن المنهج الذي به تتحقق الغاية.

من المسلم به أن العدل غاية وقيمة إنسانية عليا، سعى إلى تحقيقها الإنسان منذ خلق على الأرض وحاول نشرها كل البشر حتى لا تجد جائرا أو ظالما ولا سفاحا في التاريخ إلا وهو يزعم أنه يبحث عن العدل ويتصف بصفاته المحببة، ولو كانت أعماله وأفعاله جورا كلها، ذلك أن التحلي بالفضائل والبحث عنها جبلة جبل الإنسان عليها، ولا يلام من يبحث عن الكمال ويطلبه، والعدل كمال مطلق في وعي الإنسان السوي.

وإذا سلمنا بأهمية أن يكون المرء طالبا للعدل محاولا الاتصاف به، فمن باب أولى البحث عن ماهية العدل وأهمية الوصول إليه وطلبه، ولو بعد مناطه الذي يتعلق فيه، وقد شهدت الأمم منذ عرف الإنسان الحياة وعرفت المجتمعات الإدارة أصنافا كثيرة من أنواع التعامل بين الناس، وطرائق شتى للحكم على مستويات كثيرة من الجماعة البدائية الأولى، وسيادة القبيلة وقوانين العيب وما هو متفق عليه إلى أنواع الدول وأشكال الأنظمة والإمبراطوريات التي عرفها التاريخ القديم، والرسالات والأديان والتعاليم التي جاء بها الرسل، والقاسم المشترك بينها كلها هو البحث عن سعادة الإنسان على وجه الأرض والعدل بين الناس، مع اختلاف كبير في التطبيق والممارسة، فالجميع يطلبون العدل ويزعمون أن النظام الذي يتبعونه ويؤمنون به هو ما يحقق لهم ذلك الهدف البعيد، وسعي الناس للعدل مشروع في كل الأحوال ومهم في كل الظروف لكي تكتمل الصورة المثلى التي يتخيلها العامة والخاصة، أو يهتدوا إلى النموذج القويم الذي يبحثون عنه.

كانت التصورات الأولى للعدل نسبية وليست مطلقة ولا شاملة، فالعدل مقسم بين الناس بحسب طبقاتهم، ففي أثينا ينقسم الشعب إلى طبقات متفاوتة في الحقوق والواجبات، والعدل يكون بين أفراد الطبقات لا بين الناس كافة، فالأحرار في أثينا يكون العدل بينهم في حقوقهم وواجباتهم، والعبيد فيها يكون العدل بينهم في طبقتهم وفي حقوقهم وواجباتهم، وغير الأثينيين يكون العدل بينهم وليس بين كل الطبقات، وفي الإمبراطوريات كان رعايا الإمبراطورية طبقات، لكل طبقة منهم حقوق لا يشاركهم فيها غيرهم، وتقسم الحقوق بين رعاياها كل بحسب مكانته وطبقته، وهذا هو العدل في مفهومهم وليس غير ذلك، وحتى الرسالات والأديان كانت تفرق تفريقا واضحا بين من يعتنق الدين ومن يكفر به، والعدل بينهما مختلف باختلاف الحقوق التي تشرعها الأديان، وقل مثل ذلك عن المذاهب والفرق.

كل تلك المحاولات منذ فجر التاريخ تبحث عن العدل المطلق بين الناس والمساواة بينهم، وكل منها يقدم نموذجه الذي يظن أنه فيه عادل.

لكن يبقى أن النظام المثالي للعدل وللمساواة هو ذاك الذي يجمع الناس ولا يميز في الحقوق والواجبات بين الألوان ولا الأجناس ولا اللغات ولا الأديان، ويحفظ للفرد ماله ودمه وممارسة معتقداته التي يعتنقها وحريته الشخصية حين لا تتعارض مع حرية الآخرين في سلام اجتماعي شفاف.

أي منهج يحقق ما جاء في الفقرة الأخيرة هو المنهج الذي تحاوله البشرية وتسعى إليه، وذلك هو العدل الممكن، فهل وجد الإنسان العدل أو اقترب منه، وفي أي أنواع الأنظمة التي سلف الحديث عنها يمكن أن تتحقق الفقرة الأخيرة. دعونا من الأسماء ولننظر إلى المحتوى.

Mtenback@


أضف تعليقاً