تفاعل
الجمعة 16 ذو الحجة 1438 - 08 سبتمبر 2017
الدعم الحكومي للسينما: المحفز والقاتل

سعدت قبل بضعة أيام بحضور فعالية الدورة الثانية من «ليالي الأفلام القصيرة» والتي تم تنظيمها بالتعاون ما بين وزارة الثقافة والإعلام ومركز الملك فهد الثقافي. ليلة رائعة من أجمل ليالي مدينة الرياض هذا العام، شدني فيها تنوع الأفلام المعروضة، من تميز الفكرة الرئيسية التي يدور حولها فيلم «ثوب العرس» للمخرج محمد سلمان، إلى الروح السردية الخفيفة والأداء العفوي للممثل خالد صقر في فيلم «300 كم» للمخرج محمد الهليل، إلى الرحلة البصرية الفخمة التي قادها الأداء الرائع للممثل محمد القس وجودة الإنتاج الطاغية في فيلم «المغادرون» للمخرج عبدالعزيز الشلاحي.

ليلة التقيت فيها بأصدقاء وزملاء وأسماء عديدة بارزة في المجال الفني لطالما كنت أتمنى لقاءها. وبالرغم من الرغبة العارمة في ذكر أسمائهم جميعا، إلا أنني أخشى أن تخونني الذاكرة فيسقط أحدهم سهوا، ولكنني سأذكر نقطة نقاش معينة علقت في ذهني من بين جميع ما ذكر في تلك الليلة من حوارات وأحاديث جميلة، ألا وهي الصناعة السينمائية السعودية ومستقبلها. بحسبة بسيطة جدا على أحد جوالات الحضور، استنتجنا أن إيرادات فيلم سينمائي واحد قد تصل إلى 8 ملايين ريال إذا استطاع هذا الفيلم استقطاب 1%‏ من سكان المملكة (والذين يصل عددهم إلى 32 مليون نسمة بحسب آخر الإحصائيات)، ودفع كل من الحضور 25 ريالا فقط للتذكرة الواحدة؛ نسبة الحضور بسيطة جدا مقارنة بعدد السكان، ومبلغ الإيرادات لا يستهان به أبدا. إذن فالصناعة السينمائية السعودية بإمكانها أن تصبح ذاتية التمويل وفرصة استدامتها كبيرة جدا.

ولكن هناك بعض المتشائمين من مصير بدايات السينما في السعودية، والذين يعتقدون بأن هناك عوائق أخرى يختص بها المجتمع السعودي ستحد من هذه الإيرادات بنسبة كبيرة، وبهذا يصعب أن تكون الصناعة السينمائية السعودية ذاتية التمويل. بعض هؤلاء المتشائمين قد يختلجه بعض التفاؤل فيطرح فكرة الدعم الحكومي للسينما السعودية - خصوصا في بداياتها - على غرار دعم الشركات الناشئة وإنشاء حاضنات للمشاريع التجارية الصغيرة والمتوسطة؛ هذه النقطة بالذات هي التي دفعتني للإبحار في الأرقام والدراسات من جديد والعودة للكتابة.

بعد بحث قصير، تمكنت من الوصول إلى دراسة مناسبة تجيب على سؤال الدعم الحكومي لصناعة السينما المحلية بشكل كاف وواف، والتي سأحاول طرح أبرز ما جاء فيها بشكل موجز في هذا المقال. هذه الدراسة الأكاديمية بعنوان «Impact of Subsidies on the Film Industry» قام بها زميلان: باتريك ميسيرلين وجيمين بارك، وهما محاضران وباحثان من جامعة «ساينسز-بو» في باريس. الدراسة تطرقت لنتائج الدعم الحكومي لصناعة السينما المحلية في كل من فرنسا وكوريا الجنوبية؛ دولتان متقاربتان في عدد السكان لكل منهما، ومتقاربتان كذلك في إيرادات شباك التذاكر سنويا (1,4 مليار دولار أمريكي في فرنسا و 1,5 مليار دولار أمريكي في كوريا الجنوبية). المقارنة شملت تأثير ونتائج الدعم الحكومي للسينما المحلية في كلتا الدولتين على مدى 45 عاما.

الجدير بالذكر أن كلتا الدولتين طبقت في الماضي أنظمة تضع حدا لعدد الأفلام المستوردة في صالات السينما، بالإضافة إلى فرض عدد معين من الأيام لعرض الأعمال السينمائية المحلية. هذه الأنظمة ألغيت في الدولتين في فترات مختلفة وتم استبدالها بإعانات حكومية تصرف سنويا لدعم الصناعة السينمائية المحلية في البلدين؛ الفرق الأبرز هو أن فرنسا - وعلى مدى 45 عاما - دعمت صناعتها السينمائية بإعانات حكومية غزيرة، بينما كانت كوريا الجنوبية إلى وقت قريب متحفظة في صرف الإعانات الحكومية لدعم السينما الكورية.

من الفروق البارزة كذلك أنه في فرنسا يتم تحصيل مبالغ الإعانات السينمائية الحكومية عن طريق فرض ضرائب على مبيعات التذاكر في دور السينما الفرنسية، بينما في كوريا الجنوبية كانت الإعانات الحكومية تصرف من ميزانية الدولة بداية من تسعينات القرن الماضي ولغاية عام 2007م، حيث أصبحت تمول عن طريق فرض ضرائب على مبيعات التذاكر السينمائية.

والآن نأتي لنتائج هذا الدعم الحكومي المتفاوت في كلتا الدولتين. القيمة المضافة من الإعانات الحكومية المالية تصل لأكثر من 30% من السوق السينمائي محليا في فرنسا، بينما لا تتعدى القيمة المضافة من الإعانات الحكومية المالية في كوريا الجنوبية 3% من السوق السينمائي الكوري. بالإضافة إلى ذلك، في عام 2014م، أصبح السوق السينمائي الكوري أكبر بنسبة 12% من نظيره الفرنسي، بينما عدد السكان في كوريا الجنوبية يعادل حوالي 75,8%من عدد السكان في فرنسا.

الاستنتاج النهائي الذي يتضح من هذه الدراسة هو أن وجود الإعانات الحكومية أنقذ الصناعة السينمائية الكورية والفرنسية كذلك، ولكن الزيادات المبالغ فيها في الإعانات الحكومية الفرنسية كانت نتيجتها غزارة في الأعمال المنتجة مع انحدار في الجودة التنافسية، بعكس الأعمال الكورية التي قلت وارتفعت جودتها الإنتاجية بشكل ينافس الأعمال العالمية. لهذا السبب، كانت الأعمال الكورية أنجح في جذب المشاهد المحلي في صالات السينما من الأعمال الفرنسية.

إذن، فالدعم الحكومي فكرة جذابة جدا يسيل لها لعاب من يطمح لأن يدخل في مجال الإنتاج السينمائي السعودي، وقد يكون محفزا حقيقيا يدفع عجلة الصناعة السينمائية السعودية في المستقبل، ولكن يجب أن يقنن هذا الدعم وتوضع له ضوابط معينة وخطة واضحة على مدى سنين حتى يؤول بنا المطاف إلى ما آل إليه الكوريون وبعيدا عن حال الفرنسيين. ومما لا شك فيه أن أفضل إعانة حكومية في الوقت الحالي لجيلنا السينمائي الطموح - وأقلها كلفة - هي بالسماح بافتتاح صالات سينمائية تجارية لتكون منصة يستطيع موهوبونا المميزون عن طريقها كسب ما يضمن استمرارهم وتطورهم.

رابط الدراسة: http://fahad.to/govtsubs

@Fahad


أضف تعليقاً