الرأي
الاثنين 28 ذو القعدة 1438 - 21 أغسطس 2017
كوميديا الصراع على مآل عبدالحسين عبدالرضا في الآخرة

من المفارقات الطريفة أن الممثل الكويتي الكوميدي الشهير عبدالحسين عبدالرضا أثار في مماته حدثا كوميديا؛ إذ أحدثت وفاته خلافا حادا مفاده: هل يستحق أن يدعى له بأن ينال رحمة الله، أو لا يستحق؟، وقد تبرع بعض طلبة العلم لدينا بإصدار صك عدم استحقاقه للدعاء له، فحقه أن يكون مصيره النار، وبئس المصير.

هذا البيان أثار زوبعة كبيرة جدا، جعلت بضع مئات من المثقفين يصدرون بيانا يطالبون بمحاكمة من أصدر بيان عدم استحقاقه الدعوة له بالرحمة، فالحدث برمته حدث كوميدي، فريق يرى أنه لا يستحق الدعاء له بالرحمة، وفريق آخر يطالب بمحاكمة من لا يرى أنه يستحق الدعاء بالرحمة، أي إننا أمام حلبة صراع على (رحمة الله) من يستحقها، وأعتقد أن هذه الحادثة الكوميدية بتفاصيلها لا يمكن أن توجد إلا في مجتمعنا العربي الذي حرم الفرد من حرية التصرف بحياته في الدنيا، فلم يبق إلا الصراع على مصيره في الآخرة، فما دلائل هذه الحادثة الكوميدية؟

طرفا النزاع فرقتان، الأولى فئة سلفية وفية لتنظيرات مذهبها تجاه المختلفين معه، فالشيعي - في نظرها - يمارس الشرك في صرفه الدعاء - وهو عبادة صرفة - إلى الأئمة الموتى، والطواف بقبورهم، والشيعي يعتقد بردة غالب الصحابة بمن فيهم الخلفاء الراشدون الثلاثة، ويعتمدون على القياس العقلي؛ حيث يرون أن من يلعن الخلفاء الراشدين الثلاثة وغالب أمهات المؤمنين، ويعتقد أنهم ملعونون وفي النار، فهو الأولى بالنار واللعنة، ولا يستحق أن يدعى له بالرحمة في الوقت الذي هو لا يرى جواز الدعاء بالرحمة للخلفاء الراشدين الثلاثة وغالب أمهات المؤمنين.

والفرقة الثانية مجموعة كبيرة من المثقفين والفنانين ترى أن الدعوة إلى عدم الدعاء بالرحمة للفنان هي تعزيز للطائفية، وخرق للسلم الأهلي، ومساهمة في نشر الكراهية والتطرف والتكفير في وقت يعيش فيه عالمنا العربي حالة تصاعد غير مسبوقة للطائفية، وأن الإنسان حر في عدم الترحم على من يشاء، لكن الدعوة إلى هذا، والتنظير له هو محاولة لتحويل الرأي الشخصي إلى ظاهرة اجتماعية عامة تنطوي على تشجيع الكراهية بين أبناء المجتمع مما سيكون له أثر في إثارة الطائفية والنعرات المذهبية.

فأي الفرقتين أحق بالحق في تنظيرها لفكرتها؟

ابتداء أزعم أن التصريح بعدم جواز الترحم على الفنان أو جواز الترحم عليه هو من حرية التعبير التي يعبر خلالها الإنسان عما يعتقد تجاه الأفكار والوقائع والأشخاص، فكما من حق الإنسان أن يحكم على فكر إنسان أنه تافه، أو جيد، أو غير ذلك من الأحكام فكذلك من حقه إبداء رأيه بمذهب ما، وبإنسان يعتنق مذهب ما، فالحكم على إنسان ما بالكفر أو غير ذلك من أحكام هو ممارسة ثقافية تندرج ضمن (حرية التعبير)، وقد كتبت في هذا مقالين سابقين بعنوان (التكفير ليس هو المشكلة)، وإذا كان الحكم على شخص ما بأنه كافر أو لا يستحق الدعاء له بالرحمة من حرية التعبير فهل معنى هذا صوابية طرح هذا الرأي على الملأ كما صنع من طرح هذا الرأي عن الفنان؟

نعم، هو من حرية التعبير في البيئات الصحية التي اعتادت على حرية التعبير، وأصبحت حرية التعبير من نسيج ثقافتها، ولا يترتب على الحكم على الأشخاص بالكفر أو عدم استحقاقهم للدعاء لهم بالرحمة شيء كما هو في البيئات الغربية، لكن هذا الأمر في مجتمعنا العربي يترتب عليه قضايا كثيرة حسب التنظير الفقهي التراثي من استحقاق المرتد للقتل وغيره من الأحكام كما هي في الفقه التراثي الذي ما زال معمولا به في عالمنا العربي، ومن هنا تكمن خطورة التكفير أو الدعوة إلى عدم الدعاء بالرحمة على إنسان ما، فالقضية لم تبق في حيز (حرية التعبير) كما هو في البيئات الأخرى بل انتقلت إلى ما يشبه (الحدث الجنائي) الذي يعاقب عليه القانون.

وحتى في التنظير السلفي فإن إصدار حكم ما، أو فتوى ما يجب أن تراعى فيها المصالح والمفاسد، فعلى افتراض ثبوت أن الفنان المذكور لا يستحق الدعاء له بالرحمة - حسب التنظير السلفي - فإن التصريح بهذا على الملأ في هذا الوقت بالذات فيه مفسدة كبيرة، ومن قواعد الإفتاء في الفقه السلفي سد ذريعة الفساد، فالرسول صلى الله عليه وسلم ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم بعد فتح مكة تأليفا لقريش لقرب عهدها بالكفر، وترك قتل المنافقين الذين كانوا يكيدون للدولة الإسلامية الناشئة ويتحالفون مع أعدائهم خوفا من أن يتحدث الرأي العام أن الرسول يقتل أصحابه، فكان المفترض بطلبة العلم الذين تزعموا القول بعدم جواز الدعوة له بالرحمة استحضار هذه القاعدة لو كانوا يفقهون.

@Dohyyan_suliman


أضف تعليقاً