الرأي
الثلاثاء 23 ذو القعدة 1438 - 15 أغسطس 2017
معاصرنا ابن خلدون

في تغريدة قصيرة وصف الأستاذ يوسف أباالخيل الكاتب المعروف في جريدة الرياض، ابن خلدون بالمعاصر لنا فقال: (يكتب معاصرنا ابن خلدون). هذا هو الشاهد من التغريدة، والأستاذ أبا الخيل يعرف الفارق الزمني البعيد بيننا وبين ابن خلدون، ولكنه يلتقط الحال الذي عاش فيه ذلك المفكر العبقري والحال الذي نعيشه اليوم، وهذا هو وجه المعاصرة التي أشار إليها وزعم أننا نعيشها.

كان مولد ابن خلدون ونشأته في تونس، والشمال الإفريقي تقتسمه ثلاث إمارات، والحرب بينها سجال، ثم رجع إلى الأندلس أو ما بقي منها، لأن أهله ممن أخرجوا منها ورأى ما هم فيه من الفتن والحروب والضعف، والإفرنج يطبقون عليها، وحكامها في غيهم وحروبهم سادرون، يشنون الحروب على بعضهم ويثيرون العداوات المستحكمة بينهم، وتسقط مدنهم واحدة تلو الأخرى بحروب لا معنى لها، فإذا سقطت مدينة أو دويلة بيد أمير من أمراء الطوائف وبعون وتشجيع من الإفرنج الذين يحاصرون الاثنين معا، هب الشعراء والقضاة والعلماء بمدائح هذا الأمير المنتصر بسيف الإفرنج ومكائدهم على أخيه وعظموه ووصفوه بأجل الألقاب وأفخم الفعال حتى يظن أنه كما يقولون، وإن كان يشعر في قرارة نفسه بالذل والضعف والهوان، وما نصره إلا نصر للإفرنج، الذين يتدخلون ويساعدون ويتوسطون في بعض الأحيان ثم يزحفون على من انتصر بهم، وملوك الطوائف يتسابقون إليهم ويتبادلون معهم الرسائل ويأخذون منهم النصائح حتى انتهت الأندلس بأيدي أهلها، قبل أن تنتهي بأيدي عدوهم الذي استغل خلافاتهم وقضى عليهم جميعا.

ومع ما هم فيه من هزائم وضعف كانوا يكابرون ويتلقبون بأعظم الألقاب أمام مجتمعاتهم المخدوعة بهم أو العاجزة أن تغير ما هم فيه، حتى قال شاعرهم واصفا تلك الحال:

مما يزهـدني في أرض أنـدلس

أسمــاء مقتدر فيها ومعتــضد

ألقاب مملكة في غير موضعها

كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

وانتقل إلى مصر ولم تكن حالها خيرا من حال الأندلس والبر الإفريقي - تونس وما جاورها -، رأى كل أنواع الحروب الجاهلية والثارات والعصبيات التي عادت أدراجها إلى عالمه الذي يعيش فيه، ونظر إلى الشام والعراق وجيوش تيمورلنك تهدم المدن على ساكنيها. ومن عجائب القدر أن ابن خلدون نفسه كان في الأندلس رسولا من أحد ملوك الطوائف (بني الأحمر) إلى حاكم قشتاله لطلب الصلح والموادعة، وفي المشرق كان رسول أهل دمشق إلى تيمورلنك للسبب نفسه.

هذه المحطات المهمة في حياته جعلته يرى حال العرب وهم بين مطرقة الإفرنج في الغرب وسندان المغول في الشرق، وما بين الإفرنج والمغول فوضى عارمة وحروب طاحنة وعدوات مستبدة وعصابات يدفع كل منها في وجه الآخر. كان ابن خلدون يفكر بما حدث ويراقب ما يرى ويمعن النظر في الأسباب التي أدت إلى حروب العرب بينهم، وهزائمهم فلا يجد سببا غير حب الزعامة واستبداد الزعماء الضعفاء على شعوبهم وخورهم وجبنهم أمام عدوهم وغياب حسهم الوطني بالخطر الذي يهددهم.

رجع بعد محاولات يائسة من إصلاح ما يمكن إصلاحه، إلى تسجيل شهادته على تلك الفترة المظلمة من التاريخ العربي، وبدأ بالمقدمة التي صارت هي التاريخ كله وصف بها حال العرب وعمران الممالك وأسباب خرابها وأبدع في نظريته الاجتماعية التي صارت إلى اليوم هي مصدر دراسات الاجتماعي السياسي.

هل حال العرب اليوم تشبه الحال التي عاشها ابن خلدون وسجلها لنقرأها لعلنا نتعظ بها، وهل صديقنا أباالخيل على حق حين وصفه بالمعاصر لنا؟ الجواب بكل تأكيد نعم، العرب يمرون بمأزق لم يمروا بمثله من قبل، فما الروس ومن ينتصر بهم أفضل من تيمورلنك، ولا الناتو أرحم من جيوش الاسترداد. ولا زعماء العصابات ودعاة الطائفية أعقل من ملوك الطوائف ولا أحكم. ذلك ما رأى ابن خلدون في زمانه، وهذا ما نرى نحن اليوم والتاريخ يعيد نفسه، ولله في خلقه شؤون.

Mtenback@


أضف تعليقاً