الرأي
الجمعة 19 ذو القعدة 1438 - 11 أغسطس 2017
مفهوم الصمم الإداري

اقترن في أذهاننا أن الصمم مرتبط بالأذن فقط، وهو فقدان حاسة السمع. لكن في لغتنا العربية، الصمم قد يكون له أوجه أخرى تتعدى حاسة السمع. الصمم عن حديث الغير، كما جاء في المعاجم، هو الإعراض عنه لعدم الرغبة في سماعه. هذا المعنى وظفه أحد الشعراء، حيث قال «أصم عما ساءه سميع» أي يتصامم عما يسوؤه، فكان كأنه لم يسمع، فهو سميع ذو سمع، أصم في تغابيه عما أريد به. وفي نفس السياق، يحضرني هنا، بيت شعر قاله أبو تمام: «ليس الغبي بسيد في قومه، لكن سيد قومه المتغابي». ويقصد بهذا أن السيد هو الشخص الذي يتميز عن الباقين بأنه قد يفقد إحدى أو بعض حواسه في مواقف معينة، حتى لا ينجرف مع ضغط الموقف وشدته ويأخذه إلى منحى آخر، ومن ثم يأتي بفعل قد يندم عليه مستقبلا.

مما لا ريب فيه، أن كل شخص منا هو سيد نفسه ومسؤول عن سلوكه وتصرفاته أيضا. والسادة في بيئة العمل هم الأشخاص الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية أشخاص آخرين كثر عددهم أو قل. من كان مسؤولا، قد يصادف مواقف متعددة تتطلب منه استحضار ما أسميه «الصمم الإداري»، لا لضعف أو تهرب من المسؤولية، ولكن لإعطاء نفسه الوقت الكافي ليتمكن من اتخاذ القرار الصحيح.

أحد أهم الحالات التي تجعل الصمم الإداري حاضرا وملزما، هو عندما يتكاثر حول المسؤول أشخاص لديهم الاستعداد للتشويش عليه بغية الحصول على مكاسب شخصية، ولو على حساب المصلحة العامة. القلة من هؤلاء موجودون حولنا ويعيشون بيننا، لا تحكمهم القيم بل المصلحة الشخصية حتى لو اضطروا لإيذاء الآخرين. يتمحور أسلوبهم على التشويش على المدراء ونشر الشائعات وكثرة القيل والقال، للتقرب من المسؤولين وإلحاق الضرر بزملائهم. هنا من المأمول أن يكون «الصمم الإداري» حاضرا إلى أن يتم التأكد مما يستقبل من معلومات. قال تعالى في سورة الحجرات: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) آية: 6.

من المواقف الأخرى التي تتطلب ممارسة الصمم الإداري، هو عند التعامل مع المجادلات اللانهائية، وخصوصا في النقاش أثناء الاجتماعات الدورية أو ورش العصف الذهني، ديدن البعض هو الجدل لغرض الجدل والانحراف عن الموضوع الأساسي، لعرقلة الوصول إلى نتائج إيجابية والخروج بتوصيات ملزمة، اتقاء للمحاسبة بعد ذلك.

نختم بالتأكيد على الاستفادة من إرثنا التاريخي الذي يحمل لنا في جعبته الكثير من الموروث القصصي، الذي يبن لنا كيف مورس «الصمم الإداري» باحترافية كبيرة. هنا يقفز إلى أذهاننا الأحنف بن قيس، سيد الحلم العربي، له في التراث الكثير من المواقف التي تبين لنا أهمية التحلي بالحلم وتجاوز اللحظة بالصبر والصمت والأناة. من مواقفه المشهورة، أن رجلا خاصمه وقال: لئن قلت واحدة لتسمعن عشرا، فقال له الأحنف: لكنك إن قلت عشرا، لم تسمع واحدة.


أضف تعليقاً