الرأي
الخميس 18 ذو القعدة 1438 - 10 أغسطس 2017
ضحايا الطريق بين زلزليني وزلزلة!

ما أستغربه من نفسي وأنا الذي أفتي في كل أمر أنني لم أتحدث عن «الشيلات» حتى هذه اللحظة مع أنها إحدى أبرز أيقونات هذه الحقبة الزمنية التي لا تخفى عليكم أوصافها.

والشيلة هي قصيدة مغناة، وهذا أمر يفعله الناس منذ أن بدؤوا في نظم الشعر ونثر الكلام. وكل الفنون الغنائية الشعبية هي «شيلات» بطريقة أو بأخرى.

المشكلة ـ إن كانت هناك مشكلة ـ ليست في وجود الشيلات في حد ذاتها، ولكن في الأسلوب الذي تقدم به. الأساس الذي تعتمد عليه الشيلات بمفهومها الحالي هو محاولة للهروب من حرج «الموسيقى»، وأعني بالموسيقى الآلات الموسيقية؛ لأن الموسيقى موجودة في الشعر نفسه دون حاجة لعود وكمان وقانون، بل إنها موجودة في كل شيء تقريبا، وهي الصوت الذي تعبر به الطبيعة عن نفسها.

أدخلت الآهات البشرية كبديل عن الآلات الموسيقية، ثم أدخلت هذه الآهات في الآلات الموسيقية نفسها، وهي عملية تتبع ذات التكتيك الذي اتبعه «أهل السبت» للتحايل على منع الصيد.

وكانت النتيجة هي مسخ قبيح لا هو أغنية حديثة «مموسقة» ولا هو شيلة حقيقية متوشحة جمال الماضي وأصالته، كائن غريب لا تعرف إلى أين ينتمي.

هذا من ناحية الشكل، أما المضمون فهو في غالبه سطحي وتافه وعنصري. وهذه ليست المشكلة فكثير من الأغاني والقصائد كذلك، والتفاهة موجودة منذ الأزل وستبقى للأبد، لكن المعضلة هي تقبل هذا النوع واعتباره شيئا جميلا ومحافظا لمجرد خلوه من الآلات الموسيقية الحقيقية.

ثم إن ثالثة الأثافي أن الشيلات قضت - أو تكاد - على التنوع في تراث هذه الدولة القارة، فهي متشابهة لحنا وكلاما وهياطا، سواء كانت من الجنوب أو من الشمال أو من الوسط أو من أي مكان في المملكة، كلها تتحدث عن قبائل مفترسة لا ترحم أحدا من الآخرين الذين هم في الغالب قبائل أخرى تصرخ بشيلات مماثلة.

وعلى أي حال..

طريق طويلة دهس فيها الجمال ـ بفتح الجيم ـ واغتيل فيها الذوق، تلك التي تصل بين زمن «زلزليني» التي غناها طلال، وزمن «زلزلة» التي صرخ بها مازوخي يستمتع بتعذيب حباله الصوتية، ويسمعها مازوخي آخر يستمتع بتعذيب طبلة أذنه.

agrni@


أضف تعليقاً