فيصل الشهري

متلازمة صدام

السبت - 05 أغسطس 2017

Sat - 05 Aug 2017

على غرار متلازمة ستوكهولم التي تلتصق بالأشخاص الذين يبدون تعاطفا وودا وتعاونا مع العدو بأي شكل كان، ظهر بيننا جيل يعشق جلاده، ويوليه حبا ويستميت لقداسته، ففي انسجام بالغ وقناعة باهرة تواجهك صورة «صدام حسين» كخلفية لشاشات وجرابات الجوالات لمجموعة من الأشخاص، متفننين في إبراز صورته كرمز، مضافا إلى ذلك صور العرض في وسائل التواصل - الواتس اب وتويتر خصوصا - والتعليقات التي تتزين بها السيارات.

هؤلاء الذين يعانون من هذه الظاهرة النفسية لم يفتشوا التاريخ جيدا لكونهم من جيل ما بعد الأزمة، ولربما أنهم عاشوا الأزمة، ولكن نجح صدام بدغدغة مشاعرهم واستمالة عواطفهم عبر صواريخه الخرقاء تجاه إسرائيل، وعبر الشهادة التي أطلقها قبل إعدامه، متناسين دماء الشهداء التي أريقت حتى لا تستباح أعراضهم، وحتى لا يدنس جنود صدام أرض الوطن، متناسين صواريخ صدام التي أمطرت سماء الوطن، متناسين أن لهم وطنا ورجالا كافحوا من أجل عزتهم.

هذا التناسي والتصالح يقفزان بأمل دنقل أمامي بمقطعين من قصيدته لا تصالح:

(1)

لا تصالح!

ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى؟

هي أشياء لا تشترى..

(2)

لا تصالح على الدم.. حتى بدم!

لا تصالح! ولو قيل رأس برأس

أكل الرؤوس سواء؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟!

أعيناه عينا أخيك؟!

وهل تتساوى يد.. سيفها كان لك

بيد سيفها أثكلك؟

«الله يرحم صدام»، هكذا وبكل برود يبادرك الترحم على صدام من أفواه جيل لم يعش أيام الحرب، ولم تصم آذانه أصوات صافرات الإنذار بوقوع الخطر حتى من خلف شاشة التلفاز، لم يرتقب الموت، لم يسمع أصوات مذيعي الراديو والتلفاز ترعد بالموت، لم يرفع أكفه في الصلاة داعيا لوطنه بالسلامة من شر صدام، لم يحفظ كيفية لبس الأقنعة وطرق السلامة الأخرى، لم يتتبع الأخبار ويسمع وعيد صدام لوطنه بالموت بالرؤوس الكيميائية والجرثومية، لا يعرف ما دار في مؤتمر القمة في القاهرة 1990، ولم يحفظ أسماء الدول التي اصطفت معنا والتي سقطت ضدنا والتي تمنعت.

أتذكر جيدا، وأنا ابن الربيع التاسع من عمري، كيف هرعنا أنا وأخوتي نشتري «اللصق» ونسد به فتحات النوافذ خوفا من غازات صدام التي كان يتوعدنا بها، أتذكر أننا كنا ننام في غرفة واحدة؛ ثلاثة أولاد وفتاتان، ووالدتي والتلفاز الذي يصلنا بالعالم، وتحت سرير الوالدة حفظها الله، نحفظ مؤونتنا من الدقيق والسكر والحليب ودافوار الغاز، حتى إذا ما فعل صدام فعلته لا يكون باستطاعة جرثوماته الوصول إلينا خلف الأبواب المؤصدة والمغلقة فتحاتها بمادة الاسمنت بإحكام ليرقد هلعنا من أبخرة صدام.

وحتى لا ينشأ جيل يغتر بشعار «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود» الذي يرفعه الحوثي في اليمن، فنرى بعد أن تجف الحرب بحين من يرفع برمز الحوثي وخامنئي وحسن نصر الله، أتوجه بثلاث رسائل إلى ثلاث وزارات، الأولى إلى وزارة الداخلية والثانية إلى وزارة التجارة، والثالثة إلى وزارة التعليم بالترتيب، وفقا للارتباط بالموضوع وقوة التأثير.

الرسالة الأولى الموجهة إلى وزارة الداخلية: ضرورة تجريم وضع صور القادة ممن ناصبونا العداء، والثوريين والقوميين والحركيين، داخل وخارج السيارة بأي شكل كان، واعتبار ذلك مخالفة مرورية.

الرسالة الثانية والموجهة إلى وزارة التجارة: حظر استيراد وتصنيع وطباعة صور القادة الذين تلطخت أيديهم بالدماء، والثوريين والقوميين والحركيين، وعلى رأسهم صدام حسين، سواء كان ذلك على جرابات الجوالات أو ما تتزين به السيارات، والإيعاز لممثليها في المناطق والمحافظات بتفتيش المحلات التجارية، خصوصا محلات الجوالات وزينة السيارات، ومصادرة وإتلاف كل ما يمت لهذا الأمر بصلة.

الرسالة الثالثة والأخيرة موجهة إلى وزارة التعليم: تثقيف الطلاب والطالبات وتوعيتهم بحجم العدوان الغاشم الذي قام به صدام حسين من خلال محاضرات تاريخية يتولى تنفيذها داخل أروقة المدارس قسم النشاط الطلابي.