الرأي
الأحد 22 شوال 1438 - 16 يوليو 2017
مسرح المفتاحة ذكرى الأطلال

قبل عام من الآن كتبت مقالي والذي حمل عنوان «أبها أم الفن» حينها كنت أشعر بأن أبها ستعود للحياة بروح أجمل ووجه أكثر وسامة وإشراقة، فكانت كعادتها فاتنة ساحرة وعاصمة للسياحة العربية 2017، وكانت على موعد آخر مع أخطبوط العود الأنيق عبادي الجوهر في ليلة زفاف أبها، وهي عودة البهاء لمدينة البهاء، وعند اللقاء صدح لها قائلا:
لحظة تحس أنك قريب وأتأملك
ولحظة أنت عن عيني تغيب وأتخيلك

عادت أبها للجمال الذي يسكنها وتسكنه حين استنهضت ذاكرتها المليئة بإرثها وتاريخها وأصالتها وثقافتها ومكانتها العظيمة إنسانا ومكانا، وعادت لمرآتها بعد تجاعيد العقد الثقيل.. عادت لفساتينها البيضاء والصفراء والحمراء، عادت تحتسي قهوتها في شارع الفن، وهي «أم الفن» وحق لها على امتداد العصور، وعادت للغناء للحياة التي تليق بها كحسناء فاتنة مثلها.. وفي ليلة الضباب والجبل الأخضر والقلوب الخضراء عادت لصورتها الأولى والتي منذ اللحظة التي فازت أبها بعاصمة السياحة العربية. وهناك أصوات نشاز تحاول أن تعكر صفو البهجة والاحتفاء بأبها وتخطف لحظة الفرح، هذه الأصوات الغوغائية التي اعتدنا عليها مع ظهور أي نجاح أو ضوء أو إبداع أو كثافة ضوء فالعتمة موطنها دائما..!

وعادت أبها تبادل زوارها الضيافة والتحية بألف، ورأيت في مسرح المفتاحة بأبها إشعاعا وطنيا عظيما، ومنارة تنير الفكر والثقافة والذائقة الفنية الراقية والتي أفسدها الغياب، وسمح لهرطقات الشيلات الوقتية أن تطلق على نفسها فنا؟!

ورأيت إشعاعا ينير دروب كل العاشقين للفن الأصيل.. ينير مساءات الحالمين لعناق أبها.. وانعتاقها من الظلاميين! ينير القلوب الموغلة في اخضرار الموسيقى والكلمة واللحن والصوت الذي ظل يشاركنا كل أفراحنا ومناسباتنا عملاقا الأغنية السعودية «طلال مداح ومحمد عبده»، ورأيت فنان العرب والعجم شامخا كعادته يسافر بنا نحو الزمن الجميل بموشحات فنية رقصت أبها عليها طوال ليلها الأجمل، وكأنه يكتب للاهثين خلفه:
أنا وأنت في نفس الطريق بس الخطى متباعدة واستمعت لصوت الأرض «طلال مداح» في ليلة رأيته فيها يجوب طرق أبها بصوته المتدفق، وكأنه يناجيها بقلبه المتعب:
الله يرد خطاك لدروب خلانك
لعيون ما تنساك لو طال هجرانك
طلال حداثية الأغنية السعودية، والعلامة الفارقة في تاريخ الفن السعودي وفي ذاكرة العرب، فلا يكاد يذكر مسرح المفتاحة إلا ويذكر زرياب الأغنية العربية، وهو اللقب الذي أطلقه عليه الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب.. «صوت الأرض» الذي كلما استعدنا صوته وهو يناغي أبها عشقا:
قلبي حبك والله يا أبها
أنت أجمل من خيال
استعدنا الكثير من ملامح ولهفة قيثارة الشرق الأوسط ورائد الأغنية السعودية الذي منحني هذا المساء شرف الكتابة الأولى في ذكرى رحيله قبل ما يقارب 17 سنة.. طلال الذي حين يشرع في الإبحار الفني ويبدأ في تحريك نظارته يبحر بنا معه نحو أشرعة البياض والذهول والدهشة والإبهار نحو صوته العذب إحساسا مرهفا يحنو لرائيته التي سكنت روح الموسيقى العربية وورثتها أبها في ليلة الحضور رغم الغياب:
أحبك لو تكون حاضر أحبك لو تكون «غايب»
وبين الحضور والغياب مساحات من القلوب الطلالية، هناك حيث أزمنة الصمت المسافرة في سلم طائرة المغادرين والقادمين.. طلال السكوت الحائر على كل سوالف الليل والمطر.. هو مصدر الحزن الذي يرى وجوه عشاقه، وإن تواروا خلف صوته.. هو الورد في عيون زارع الورد.. وهو من سرق خفوق المغرمين في ليلة الجفا ودمعة الخد و»البارحة جاني خبر».. طلال مقادير الحب في درب المحبة والاستدراك حين يحنو لنديمه: ظالم ولكن في القلب لسى هواك..

هو سويعات الأصيل في ابتهالات الذنب وزحمة المشاعر المتناقضة، ابتعد عني ما حبك وش تبي بي؟!
وهو الاعتراف الخائف ما في الهوى راحة.. هو الغربة الحالمة في مناجاة القمر والليل.. وناعم العود يا سيد الملاح.. طلال جاذبية الهوى وحب النصر، أحبك يا نصر والله أحبك..! ومن منا لا يعشق النصر ؟!

هو العشق المرسوم في قنينة العطر في الموعد الثاني.. في كل دروب المدينة..!

هو الانتظار في ساعة الوداع، وهو القمر في خفوت النجوم.. وهو الحب الذي يداعب صاحبه «سيدي قوم ما خبرت اللي يحب يشتهي للنوم».. هو ميلاد الأغنية التي لا تموت، وإن رحل فنانها، طلال اللقاء الحلم وسلطنة الطرب والقصة الطللية الباقية في صرخة السؤال الصعب: يا جريح البارحة كيف قمت اليوم؟!

ومضة:
لا تقول إن الليالي فرقتنا
لا تقول ظروفنا عيت علينا
الليالي يوم ودك جمعتنا
يوم ودك كل شيٍ في يدينا


أضف تعليقاً