الرأي
الجمعة 23 شعبان 1438 - 19 مايو 2017
من حطم الناي التهامي؟

كوجه طفل عابر في ليلة تهامية حالمة، في ليلة عرس إحدى فتيات تهـامة الحسناوات التي يتمنى كل شاعر أن تكون قصيدته، وأصوات نساء القرية يحملن «الفوانيس» و«الأتاريك» يتغنين بعروسهن، ويملأن المساريب بزغاريدهن في ليلة الناي الوسيم الذي لا يكاد يمسك دموعه فرحا أو فراقا، كمعزوفات الجدات على آخر أوتار الحب القديم..

هناك نحو الدهشة والإبهـار نحو موسيقى الترحاب بالضيوف الوافدين والنشوة والفرح والزفة في عشايا التهـايم هكذا كان ناي الفنان الشعبي «فهد كشاف» الذي ملأ الدنيـا إعجابا وشغل الناس طربا حين استقيته عذوبة عبر مقطع «واتس اب» وهو يتجاوز كل الألحان التهامية الشعبية لينقلنا نحو مقطوعة موسيقية فاخرة، حيث كان يمارس موهبته في فرقة الملحن الكبير بليغ حمدي، والموزع الموسيقي علي إسماعيل وكلمات الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي في حضور العندليب الأسمـر والفنان الثائر عبدالحليم حافظ!

لكم أن تتخيلوا أن هذا العازف التهـامي المتمرد عاصر أولئك العمالقة وشاركهم عزفا انفراديا يستنطق كل الموسيقيين ويوجه كل بوصلات الفن نحو إمكاناته الفنية ومهاراته الفردية ليثبت لكل العالم أنه ولد موهوبا يسكن ثقوب ذاك الناي وينفث في أرواح العاشقين شريان الحياة فيحدث نشوة الغناء والفرح..!

ألم يستطيلوا بطول معزوفته الخشبية ويحاكوا موسيقاها وهم يتسابقون على ذات الطريق قائلين:
«أووو لتهاموووه» وينتشي عازف الناي كشاف ثانية وثالثة ورابعة طربا كلما اصطف شيوخ قريته على آلته الموسيقية كي يحيوا «ربخة» أو «خطوة» شعبية يرتبون فيهـا فوضى الحياة وتعيد لهم شيئـا من شبابهم وذكراهم، ويكتبون للقادمين الذين لم يعرفوا أسرار حياتهم ورحلة معاناتهم الطويلة في بناء بيوتهم وبناء مجتمعهم، يتكاتفون فيفرحون سويا ويحزنون سويا، يزرعون ويسقون ويحصدون طوال يومهم، وعند المساء يلوذون بـ«مزمورة» كشاف كي تكشف عنهم غمتهم ووجعهم فيتنفسون الحياة معها، وكأنها باتت لهم أما حانية وملهمة فاتنة تمسح عن وجوههم نصب العمر فيجدون فيهـا ملهاتهم التي قد تنسيهم مأساتهم، تجدهم جنبا إلى جنب يناغون عزف كشاف كلمات ومعاني وإيقاعا يزداد حسنا كلما اقتربوا من الأرض وكلما تجذروا في تقاسيم لحن الحياة..!

هذا الكشاف الذي اكتشف موهبته مبكـرا قادما من قلب الاخضرار والحب من «قنا» وهذا اسم قريته التي ترقص بكل ألحانه المخضبة بأصوات الرعيان التي قد سكنت أرواح الحالمين العاشقين للحياة بكل تفاصيلهـا فالناي له أهله وعاشقوه بل ومنافحون عنه أيضا..!

الناي الذي نستطعمه مع كل نغمة موسيقية تكشف لنـا وجه تهامة الجميل وصوتها العذب ولهجتها اللذيذة الأنيقة والتي حاول أولئك الإقصائيون طمسها تماما، لأنهم يحملون فكرا أحاديا انتهازيا إقصائيا لا يقبل التعددية الفكرية ويرفض كل جديد أو حداثي تنويري يخالفه فكريا أو فنيا أو ثقافيا، في الوقت الذي تسعى هيئة الترفيه لنشر التوعية والتنمية لكل المجتمع بكل أطيافه، وعمل توطئة فنية ذات ذائقة عالية مع كل المؤسسات الحكومية في استقطاب الشباب، ومنحهم الكثير من نقاط الضوء الخضراء كي تبرز مواهبهم ليخدموا أنفسهم ووطنهم، والتعايش مع الواقع الجديد بكل مهنية واحترافية ورقي بدلا من تبادل الاتهامات وتبرئة ساحة كل طرف في قضية «الناي» التهـامي ومن حطمه؟!

ولعلنا نسمو فوق كل خلافاتنا الثقافية في الأندية الأدبية ولجانها الثقافية، ونتحـد سويا نحو تأسيس مرحلة ثقافية توافقية جديدة مع رؤية (2030) التي تنقلنا نحو مستقبل مشرق يؤمن بالاختلاف والتعددية في ظل وطن مترامي الأطراف ومتنوع الثقافات، وقد يكون انضمام الأندية الأدبية لهيئة الترفيه وتحويلها لمراكز ثقافية متنوعة حلا مناسبا، وقد تكون تلك المراكـز نوافذ يطل منها كل مبدع موهوب قادما للساحة الثقافية بدلا من برامج نخبوية فئوية مجدولة مسبقا تعاني من سطوة الأكاديمية.

ومضة:
في الوقت الذي يستل عازفنا «فهد كشاف» نايه المكسور بين أهله، وهو ينظـر لقريته من أعلى قمة جبالها، ويحاول أن يعيده للغناء ثانية يقاطعني صديقي الأديب أحمد السادة قائلا: «الناي عود عازف يرسم ملامحنا ويعزف لغتنا ويرتق انكساراتنا.. الناي عود عازف يحن دوما لأصله بين كومة العيدان».


أضف تعليقاً