الرأي
الثلاثاء 21 رجب 1438 - 18 أبريل 2017
كم وجها للحقيقة أيها الفيل

تعلمنا الفلسفة عبر أسطورة العميان والفيل الهندية دروسا يجب أن نستوعبها لكي نقدر رؤية غيرنا مهما كانت مختلفة، وأن ندرك بحق أن رؤية الحقيقة كاملة لا تتأتى إلا لمن يرى جميع أوجه الحقيقة.

والأسطورة تقول إن ستة عميان كانوا يستكشفون مكانا منزويا عن أصحاب الأعين المفتوحة، وإنهم قد قابلوا فيلا ضخما لم يسبق لأحد منهم معرفة كنهه.
وبالطبع فقد كانت مناطق بحث هؤلاء العميان تأتي من زوايا مختلفة لجسد الفيل الأليف الضخم، وكان كل منهم يحكي للبقية عما يتصوره عن هذا الجرم الضخم العجيب.

الأول أمسك بخرطوم الفيل فظن أنه نوع من الأفاعي، والثاني أمسك بإحدى قوائمه فظن أنها جذع شجرة، والثالث أمسك بذنبه فظن أنه مجرد حبل مرن، والرابع تلمس أذنه المهفهفة فاعتقد أنها مروحة، والخامس تلمس جانب بطن الفيل ليؤكد أنه جدار صلب، والسادس تلمس سن ناب الفيل العاجي، فأكد أنه رمح!
لم يكذب أي منهم، وكل حكى بقدر ما سمحت له مداركه، ولكنهم في مجموعهم واهمين، يختلقون من الحقائق الصغيرة، ما يجعلهم يتحمسون ويعاندون ويختلفون مع بقية العميان في مجمل الحقيقة، التي لم يتوصل إليها أحد منهم.

وبالطبع فهذه الأسطورة الفلسفية لا تقصد العميان بالذات، ولا تقلل من قيمتهم بحال من الأحوال، ولكنها تصف البشر عموما بنوع من العمى، الذي يجعل الإنسان وليد اللحظة، وعبدا للفكرة الأولى، وعنيدا يتشبث برأيه مهما كان ناقصا، ويحاول تعميمه على جميع زوايا ومواقف الرؤية الحقة، ويصبح هو ورأيه القاصر كينونة عظمى واحدة، لا ترتضي أن تجلس في مكان الآخر، ولا أن تتقبل رؤية لم تتلمسها، مهما كانت جلية للآخرين.

لا توجد حقيقة بوجه واحد، وإلا لما كان هنالك اختلافات حول حقيقة، ولما كان هنالك مكتشفات تستجد، ولا حقائق جديدة تأتي وتمسح الحقائق القديمة.

العلم هو مجال التحقق والتجربة والاستعادة والاكتشاف، وهو يعطي أكثر لمن يتمكن من الرؤية الأعمق والأوسع، ويهبه حقائق جديدة، تنفي حقائق الماضي، وتحل مكانها في الحاضر، ولا أحد يضمن كيف سيكون المستقبل.

وحتى وإن كان أينشتاين قد حدد حقائق معجزة في رؤيته للحقائق الفيزيائية، إلا أنه لا يستبعد أن يأتي يوما من يتمكن من الانزياح أكثر، والتمادي في مجالات رؤية حقائق أعظم، قد تكون خافية على أينشتاين.

هذا يتم في مجال العلم القابل للتجربة، والقياس، والاستعادة للحصول على نفس النتائج؛ ولكن عندما نأتي على التاريخ فلا يمكن أن تتبدل نتائجه برؤية جديدة، والمثال على ذلك هو التراث الإسلامي، المختلف عليه كثيرا بين الفرق الإسلامية، المتناحرة، أو حتى المسالمة، فالرؤية ليست واحدة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التأكد من صحة رؤية هذا ولا ذاك، مهما برع البعض في محاولات التنظير، والتجديد، وقراءة المعاني والأحداث القديمة برؤية عصرية!

التاريخ يحدث، ويحكى واقعه في لحظته، بكل أوجه الحقائق الموجودة في حينها؛ ويفشل فشلا ذريعا كل من يحاول أن يغير أو ينسف الحقائق المتواترة.

البعض يكذب، يحسن، يسيء، يزيد، يشطب؛ وهو حر في دراسته، ولكنه لن يتمكن من إحضار فيل الماضي بيننا، لنتمكن من معرفة أوجه الحقيقة فيه!

shaher.a@makkahnp.com


أضف تعليقاً