الرأي
الثلاثاء 22 رجب 1438 - 18 أبريل 2017
دعونا نفتش في أنفسنا وفي ثقافتنا

رغم إيماني العميق بأن مأساتنا عربية بحتة وإسلامية في الدرجة الأولى، وأن ما يحدث في محيطنا العربي وامتدادنا الإسلامي هو عمل نقوم به نحن، ومسؤولون عنه وحدنا، أقصد بضمير المتكلم نحن المسلمين عامة والعرب خاصة.

أقول هذا القول لأنني أسمع من علماء وعقلاء ومثقفين وغيرهم ومن كل الناس عامة وخاصة، إلا من شاء ربك وهم قليلون، أن ما يحدث في بلادنا العربية والإسلامية من تخلف ومن فتن وحروب وقتال وفوضى في كل مجالات الحياة واضطراب في المفاهيم والسلوك هو مؤامرة غربية، وأن هذه المؤامرة يحوكها أعداء الإسلام ضدنا لأن ثقافتنا وحضارتنا وماضينا ومستقبلنا خطر عليهم، وأن مواقف رموزنا الفكرية والعلمية قهرتهم في الماضي وهم يخشون انبعاثها من جديد، والدليل الذي نقدمه أمام حجتنا ضدهم هو العهد القريب حين احتلوا أغلب البلاد العربية والإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وزرعوا إسرائيل في أحشائنا ولم يتركوا- لنا حتى بعد خروجهم الاختياري من بلادنا - إلا عملاءهم الذين نفذوا سياستهم بعد خروجهم ومارسوا صورا من القمع والقهر والاستبداد. هذه الفقرة السابقة هي التعويذة التي نثيرها عند كل حديث أو جدل عن أسباب تخلفنا وتقدم العالم شرقه وغربه علينا.

لكن هل فعلا عاملنا الغرب معاملة مختلفة؟ الغرب المتقدم الذي يتطلع إليه سكان المعمورة ويعدونه مثالا يحتذى في صناعته ويرنون إلى الحياة فيه إن أمكنهم ذلك. والشرق كله الذي نهض من سباته وكان سبب نهضته هو الموقف الواعي مما أنتجه الغرب فمد يده إليه ونظر ما قدم الغرب للناس كافة على أنه عمل بشري نافع وممكن أخذه ومحاكاته والتشبه به في كل ميادين الحياة العامة والخاصة رغم الحروب ورغم التحدي الذي واجه دول الشرق من دول الغرب مثلما واجه المسلمين من الاستعمار والاحتلال، فأمريكا مثلا دمرت اليابان وضربتها بالقنبلة النووية وهدمت المدن على ساكنيها، وفرنسا احتلت فيتنام واستعمرتها زمنا طويلا، وبريطانيا احتلت الأرخبيل الماليزي وخرجت منه مقسما إلى ثلاث دول، ماليزيا، وسنغافورة، وسلطنة دار السلام، وهولندا احتلت إندونيسيا أكثر من مئة عام، وكوريا حاربها وقسمها إلى قسمين وحتى الصين لم تسلم من الحرب والتقسيم.

هذا الغرب وهذا ما فعل في الشرق البعيد فماذا كانت النتيجة؟ وكيف صارت العلاقات بين الغرب والشرق، لقد نسي الشرق كله ذنوب الغرب ومآسيه واستعماره ومد إليه يده واستعان به في صناعته وزراعته وتقدمه الحضاري وانتعاشه الاقتصادي وحتى نماذج حكمه وطرق إدارة مجتمعاته نقلها من الغرب دون أن يشعر أنه تخلى عن شيء من مقدساته وقيمه ومعتقداته وأساليب حياته. عرف الشرق كله باختلاف دياناته وأجناسه ولغاته أن يتعامل مع الغرب على أنه مصدر إلهام صناعي وتطور حضاري، عرف أنه لا يمكن لحضارة معاصرة أن تحقق تقدما يخدم شعبها ويعلي من شأنها في السياسة والاقتصاد والإدارة إلا أن تفرز فرزا صحيحا وبوعي سليم بين التقدم المادي الذي سبق إليه الغرب والاستفادة منه وأخذه بخيره وشره - كما قال طه حسين حين نصحنا أن نفعل ما فعل الشرق - وكانت النتيجة ما نراه اليوم بين الشرق والغرب من تكامل في كل مجالات الحياة وتعاون تام بينهما لم يستطع الغرب أن يستغني عن الشرق، ولا الشرق استطاع أن يتخلى عن الغرب ولم يبق الشرق ينوح ويلطم على ما فعل به الغرب كما نفعل نحن.

دعونا نقول ولو على مضض إن سبب تخلفنا ليس الغرب ولا الشرق وأنهما براء من ذلك كله، ولكن سببه داء دفين في تاريخنا وفي ثقافتنا وفي تفكيرنا، دعونا ننسى عداوة الغرب والشرق التي نبرر بها تخلفنا وهزائمنا وتشتتنا، ونفتش في أنفسنا ونعترف بأخطائنا ونعيد النظر في أعمالنا وبأن المصائب التي حلت بنا ليست مؤامرة من الغرب ولا من الشرق لعل وعسى أن نعثر على سبب ما نحن فيه ونفعل مثل ما فعل غيرنا لإنقاذ مستقبل أجيالنا وما بقي للعرب من وجود وكرامة.

marzooq.t@makkahnp.com


أضف تعليقاً