الرأي
الاثنين 22 جمادى الآخرة 1438 - 20 مارس 2017
كوبري الحياة في شارع الكساد

في مثل هذه الأيام التي يصبح فيها الجو عليلا، وتهدأ شمسنا العزيزة من حموتها المعتادة، أحمل وكثيرون غيري كراساتهم وأقلامهم وعتاد فنونهم باحثين عن مكان لطيف على إطلالة بحرية جميلة، يجدون فيه فسحة لممارسة أي نوع من الاستجمام أو الإبداع. لنفاجأ بأن مدينة ساحلية كجدة تخلو من مقاه بسيطة تمتد على شواطئها المقفل جلها نظرا للتصليحات. أتساءل طوال السنة عن عدم وجود طاولة وكرسي بواجهة زجاجية بسيطة أستطيع أن أجلس خلفها فأكتب، ويجلس خلفها رجل وزوجته فيتصالحان بعد خلاف، ويجلس خلفها موظف هارب من ضغط العمل، ويجلس خلفها يافع يفكر في مستقبله. أفكر في كل تلك المشاعر المحقونة، والإبداعات الحائرة، والنفوس التي تشتهي متنفسا لأفكارها ومشاعرها من بين تلك الجدران الخرسانية، والمساحات القفراء، وأستنتج أنه لا داعي لأن نتساءل ما بالنا نشتكي الإحباط وقلة الإبداع. يقع بيتنا في إحدى المخططات الممتدة على منطقة جبلية مطلة على الطريق الدائري المؤدي للحرم المكي. قبل عامين تقريبا تقرر إنشاء خط دائري محاذ لمدخل المخطط لنجد بين ليلة وضحاها مباني جديدة تسوى بالأرض.

تلاها بفترة قصيرة إقفال جميع مداخل المخطط من الشوارع الرئيسة. وبعد كل هذا الهدم، وإزالة مساحة خضراء يتيمة، وإهدار أوقاتنا وسياراتنا في أخذ الطرق الخلفية والجبلية الوعرة، لم يتطور المشروع أو يحدث فيه أي تقدم منذ أكثر من عامين. وقبل سنوات لا أذكر عددها فرحنا ببوادر إنشاء كوبري لحل مشكلة الزحام المروري في شارع الأندلس بجدة. لنفاجأ أن الكوبري جر معه مجموعة كبيرة من الحفريات والسدود والشوارع المغلقة التي أدت تدريجيا إلى تردي الشارع والمناطق المتاخمة له وكسادها التجاري والخدماتي وكثرة الحفر ووعورتها في الشوارع الموازية من الناحيتين، محولة منطقة كانت من أجمل المناطق وأكثرها حيوية إلى منطقة وعرة يخاف أحدهم الدخول فيها من كثرة الشوارع المغلقة والمداخل التي ليس لها مخارج.

صنعت المدن ليسكنها الناس، ورصفت الشوارع ليتنقل خلالها الناس، والأهم خلق الله الأرض والبحر والسماء للناس. لذا ليس من المنطقي أن تفكر في الإصلاح متجاهلا احتياجات الناس، وأن تفكر في التحسين مؤذيا مصالح الناس، وأن تخطط للتطوير ضاربا عرض الحائط حياة الناس. فليس من الطبيعي أن نتجول ومناظر الحفريات تصادفنا في كل معبر. وليس من الصحي أن تسد عن أعيننا إطلالات الطبيعة أو تحتكر لصالح المشاريع التجارية. وليس من الإنصاف أن ننتظر حتى ندخر الميزانيات أو نسافر للحصول على فسحة من طبيعة للتنفس. وليس من الإنساني أن تصعب حياتي وتستنزف جهودي في الوصول إلى بيتي وتوفر الخدمات في منطقتي والتي هي أبسط حقوقي. وأرجوك لا تحاضرني عن المستقبل وإعداده وتهيئته للأجيال القادمة، فأولادنا يرثون إجهادنا، ويتشربون عصبيتنا، وتنتقل إليهم شكوانا.


كما بالضبط تصلهم راحتنا، ورضانا وإشادتنا. وفي النهاية أيها المسؤولون، فلا مغزى لأن تشجر حيا بعد أن هجره ساكنوه، ولا أن تبني كوبري في شارع حيوي وتنهيه بعد أن يكسد!!

heba.q@makkahnp.com


أضف تعليقاً