الرأي
الأحد 20 جمادى الآخرة 1438 - 19 مارس 2017
تنفسوا أسلافكم!

منذ أن بدأ الناس والهيئات والمؤسسات في استخدام مصطلحات جديدة لتعريف أحوال الطقس والأمور تزداد سوءا.

أصبح المطر مؤذيا منذ أن سموه «حالات مطرية»، وأصبح الغبار أكثر أذية مذ سموه عوالق ترابية. وهذه الأيام من كل عام هي موسم العوالق الترابية والحالات المطرية بكل أشكالها وأنواعها.

والسعوديون ولله الحمد لا تؤثر فيهم تقلبات الطقس، ومنظر السعودي مألوف ولا يثير أي استغراب وهو يشرب الشاي و«يدخن» في طقس حار مليء بالعوالق الترابية.

أكثر المتضررين من هذه الأجواء هم الأطفال الذين لم يكن لديهم فكرة عن هذه الحياة الصعبة قبل أن يقدموا إليها!

ولأن الله سبحانه وتعالى قدر علينا أن نعيش في هذه البقعة من العالم فإنه من المنطقي أن نتكيف مع ظروفها المناخية الصعبة، وأن نحبها كما هي، وهذا من كمال الحب، فالحب المشروط ليس حبا ولكنه هدنة للكراهية فقط.

ولعل الناس هذه الأيام يتنفسون تراب الوطن بالمعنى الحرفي المباشر وليس بالمعنى المجازي الشاعري الذي يستخدمه المحرومون من هذه النعمة للتعبير عن حبهم لأوطانهم. وفي اليومين الماضيين تنفس بعض المواطنين ما قد يعادل التراب الموجود في قطعة أرض كافية لبناء بيت صغير. ولعل هذا نصيبهم من الوطن أخذوه على هيئة «شهيق».

والغبار ليس أمرا بالغ السوء دائما، فله معان شاعرية جميلة أيضا، فهو رمز للغياب والذكريات، والغبار هو ذرات التراب الذي هو أصل الإنسان، وهو أيضا ذرات بشر عاشوا ثم رحلوا وتحولوا إلى تراب أو نفط.

وعلى أي حال..

قد يكون الغبار الذي يجرح وجهك أو تتنفسه على مضض هو ذرات أجدادك السابقين يحاولون تذكيرك بشيء ما أو إبلاغك رسائل مهمة، وأنت تتجاهل هذه الرسائل وتشتم هيئة الأرصاد وإدارات التعليم. ولذلك فلا تنس ولا تتجاهل فكرة أنك قد تكون يوما جزءا من عاصفة رملية حين تصبح مجرد ذرة غبار تجوب السماء بحثا عن نافذة تدخل منها ثم تلصق بصورة عتيقة وتخفي ملامحها، كما يفعل الغبار بصور الراحلين الذين لا يتذكرهم أحد.

algarni.a@makkahnp.com


أضف تعليقاً