الرأي
الاثنين 14 جمادى الآخرة 1438 - 13 مارس 2017
حاشية على الاحتساب في معرض الكتاب

من الناحية الدينية لا خلاف على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالنصوص الدينية قرآنا وسنة متوافرة على الحث عليها، وهي محل إجماع لدى كل المذاهب الإسلامية. الإشكال الذي يطرح كثيرا هو كيفية تنفيذ هذه الشعيرة، ومتى تنفذ، وأين تنفذ، ومن يقوم بها، وما الأشياء التي يحتسب عليها، وكيفية مراعاة الظروف في تنفيذها؟ وحدود عمل الأفراد في مقابل سلطة القانون.

وكل هذه التفصيلات أشبعت بحثا وتقعيدا في دراسات خاصة، وقد رأيت أن تكون هذه الإضاءة مدخلا للحديث عن واقعة قيام أحد الشباب المتحمسين بالاحتساب على الفرقة الماليزية في معرض الكتاب، لهذا العام (1438هـ).

وحسب الفيديو الذي انتشر عن الحادثة كان أبطال العرض فيه ثلاثة أصوات، صوت الشاب الذي قام بالاحتساب، فقد قال عما تقوم به الفرقة الماليزية «هذا لا يرضاه الله ولا رسوله». والصوت الثاني صوت المرأة الماليزية، حيث قالت «نحن ضيوف المعرض». والصوت الثالث صوت شاب سعودي يقول «الدعوى (الأمر) ليست فوضى»، هذه الأصوات الثلاثة تلخص المشهد خير تمثيل. فأما الماليزية فهي تعبر عن أن تصرف الفرقة الماليزية تم وفق القانون، فهي فرقة تمت دعوتها، وأذنت لها السلطة، فعملها تم وفق ترخيص السلطة، وبهذا يكتسب عملها مشروعية لا يجوز أن يعترض عليه أحد إلا وفق القانون، هكذا تفكر تلك المرأة الماليزية، وهو تفكير نابع من فهمها لحدود السلطة والقانون في الدولة الحديثة.

وأما المحتسب فقد نصَّب نفسه مفتيا، وقاضيا، ومنفذا للحكم، فهو أفتى بأن ما يحصل «لا يرضاه الله ولا رسوله»، فجعل نفسه موقعا عن الله، يفتي بأن عمل الفرقة مما لا يرضاه الله ولا رسوله، وبناء على فتواه انتقل لمرحلة القضاء، فأصدر حكما بوجوب إيقاف عمل الفرقة، ثم قام بتنفيذ الحكم الذي أصدره، وأوقف عمل الفرقة، وهو بهذا جمع السلطات الثلاث في يده في تلك اللحظة، السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية.

وأما صوت الشاب السعودي الذي قال «الأمر ليس فوضى»، فهو يعبر عن منطق الدولة الحديثة، فالتشريع والقضاء وتنفيذ القانون إنما هو من صلاحيات الدولة بسلطاتها الثلاث، كل سلطة منها لها اختصاصها، وقيام الأفراد بعمل السلطة هو تشريع للفوضى، فكل شخص أو توجه ديني أو تيار فكري له قناعاته الدينية، ورؤاه الفكرية، وأحكامه على الواقع، فإذا كان كل واحد من أفراد المجتمع أو تيار أو توجه فكري سيحول تلك القناعات لقانون يحاسب الناس بناء عليه، فسيكون لدينا من الأنظمة والقوانين بعدد الأفراد والتوجهات الدينية والتيارات الفكرية، ومحصل هذا كله تشريع للفوضى.

وليس الإشكال ما قام به ذلك الشاب، فهو يظل تصرفا فرديا، لكن الإشكال أنه لقي تأييدا ليس بالقليل في موقع التواصل (تويتر)، وليس الإشكال موافقة وجهة النظر الدينية لذلك الشاب، فلا حجر على القناعات الدينية والتوجهات الفكرية، فلكل فهمه وقناعاته، لكن الإشكال أن تأييد (عمل) الشاب يعبر عن أزمة فهم لدينا لمفهوم (السلطة). حتى الذين استنكروا ما قام به الشاب بنوا استنكارهم على القاعدة الأصولية (لا إنكار في مسائل الخلاف). ومحصل رأيهم أنه لا حرج بالقيام بعمل السلطة فيما ليس فيه خلاف، وهذا تأصيل قد يفضي لمحاذير مخيفة في مظاهر كثيرة، ليس هذا مجال استعراضها.

ولهذا أعتقد أنه من أولويات نشر الوعي نشر الثقافة السياسية بمفهوم الدولة بسلطاتها الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وسلطة القانون، وحدود عمل الفرد في مقابل القانون، وكيفية سعي الفرد لتغيير القوانين التي يرى أنها تسمح بوقائع لا يقرها من وجهة نظره الدينية، بدل طرح نفسه مشرعا ومنفذا لقوانينه الخاصة، كما حصل من ذلك الشاب، وكما رأينا التأييد له في مواقع التواصل في الانترنت.

aldahian.s@makkahnp.com


أضف تعليقاً