غثائية الأمة
«حين ضعف الحال بالمسلمين رأيت كثرة المتحللين من بعض تكاليف الإسلام أو من يعود على بعض أحكام الشريعة بالتهذيب أو التأويل بزعم مواكبة العصر والاتساق مع العالم وحضارته ونسي أولئك أو تناسوا أن عمر الإسلام يفوق ألفا وأربعمئة عام، كان في أكثر من ألف منها هو المسيطر والمتمكن سلطانا وحضارة وعزا وغضارة، كان مخطوب الود مهاب الجانب، ومنذ أكثر من ألف عام رفع الله به الأمية عن أتباعه إلى الريادة في العلم والحضارة ومن التشرذم إلى الاجتماع ومن الخوف إلى الأمن ومن الفقر إلى الغنى ومن الضيعة إلى التمكين ومن التبعية إلى القيادة، ومع كل تلك الخيرية، فإنه يقع الضعف وضيق الحال بسبب التجافي عن الدين واسترخاء القبضة على تعاليم الشريعة، وعليه، فإن الإسلام كل الإسلام وعلى الصورة التي أنزلها الله وعمل به سلفنا الصالح، هو قدرنا الذي لا محيص عنه، وهو الذي ينتج موعودات الله من النصر والبركات في الدنيا ورضا الله والفوز بجناته في الأخرى وأعظم نعمة هي نعمة الدين والثبات على ما أنعم الله به من هداية هي أمنية الصالحين ورجاء العارفين، ودعاء المخبتين ومزلة القدم هو خوف المتعبدين، وإشفاق المتألهين، ومتأوه المحسنين، والأمة اليوم بأمس الحاجة لمواقف راسخة ثابتة، ولقدوات مستقيمة قادرة على تحمل أعباء المرحلة الحرجة والمسؤوليات المتزايدة نتيجة الغثائية التي تمر بها الأمة والضعف والوهن والتراجع، مع كثرة التلون والانهزامية، وهذا الدين العظيم نقل إلينا على أكتاف رجال عظام اختارهم الله لهذا الحمل الثقيل، ولم يتوانوا أو يستكينوا، وكان لرباطة جأشهم وثباتهم في الملمات وبذلهم الغالي والنفيس وتضحياتهم الأثر الكبير في حفظ الملة وبقاء الشريعة، وإن انهزامية الفرد المسلم من الداخل لداء عضال ومرض فتاك ينخر في قوة الأمة ووحدتها وعزتها ويضعف حصانتها من تسلل شبهات الأعداء وتنفيذ مؤامراتهم ومخططاتهم ومكرهم المتواصل الذي تكاد تزول منه الجبال، والمنهزم داخليا عالة وعبء على مجتمعه».

صالح آل طالب - المسجد الحرام

مسلك النجباء
«علم المستقبل عند الله، ولكن التطلع إلى المستقبل والشوق إلى معرفته واستشرافه من فطرة الله التي فطر الناس عليها والنفوس مجبولة عليه، وهو من صميم الإسلام ورسالة الأنبياء، فنبي الله يوسف عليه السلام استشرف المستقبل وبه أحسن التخطيط والتدبير فأنقذ الله به العباد والبلاد من أزمة اقتصادية طاحنة، واستشراف المستقبل يوقظ النفوس الحية ويوقد الهمم ويطرد اليأس ويقاوم الإحباط ويدفع إلى التأمل لاستثمار إمكانات الحاضر في سيبل بناء مستقبل مشرق، مشيرا إلى أنه لا يعني استشراف المستقبل طول الأمل والتسويف الذي يقتل الهمة ويضعف العزيمة ويورث الهزيمة وتأجيل الأعمال، واستشراف المستقبل طريق العقلاء ومسلك النجباء، لكن الحذر من أن يتحول هذا التفكير إلى هم ينغص مضجع صاحبه يفسد عليه حياته وقلق يزعجه في حله وترحاله، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد تغلب حاله من صبي يتيم إلى لاجئ مضطهد ثم إلى سيد أمة بأكملها، قاوم محن الحياة حتى أخرج لنا أمة غيرت مجرى التاريخ، واستشراف المستقبل والتأثير فيه على أسس سليمة يقتضي أن يستثمر الفرد عمره في تمنية عقله وبناء فكره لا ييأس حين تتلاءم الخطوب بل يجعل من الحزن سرورا ويزرع في الصعاب أملا، كما يكون صبورا لبلوغ أهدافه قنوعا بما يقسمه الله له مؤمنا بما يقدره، ولا شك أن خطوات المسلم في سيره نحو مستقبله تتطلب أن تكون محفوفة باليقظة في مراحل انتقال من طور إلى طور بمحاسبة نفسة على صعيد الحياة الدنيا مع التأمل في مشوار حياته محكما القلب والعقل والعاطفة في منهجية نظرته إلى مستقبله، مستثمرا مواسم العبادات التي تزيد المستقبل نورا وبركة وسعادة وتوفيقا».

عبدالباري الثبيتي - المسجد النبوي