تعددت المدارس الفكرية الإسلامية على مر العصور، وكان لكل مدرسة أيديولوجياتها وأتباعها. إلا أننا اليوم نلحظ سجالا حادا حول ما سمي بـ «الصحوة الإسلامية»، حتى أسماها التيار المتشدد الآخر بـ «الغفوة».

كانت مدرسة الصحوة تميل للرأي الأحوط وتهتم بسد الذرائع خوفا من الانفتاح الفكري الكبير الذي حدث في وقت لم يكن المجتمع مهيأ له فكريا أو نفسيا. ومن الطبيعي -كأي حركة فكرية إنسانية -أن يكون لها إيجابياتها وسلبياتها. لكن الملفت أن كبار المثقفين والإعلاميين الذين كانوا أتباع هذه المدرسة، حين قرروا الانسلاخ منها، تحولوا إلى اتجاه معاد لها وتفرغوا للنقد والشتم لرموزها، دون اعتبار لأخلاقيات الاختلاف وآدابه.

في ذلك الوقت - في التسعينات الميلادية - أعتقد أن المجتمع كان جاهزا لتبني هذا التوجه –المحافظ- المقارب كثيرا للتنشئة الاجتماعية في الكثير من المناطق، والذي يشترك معها في أدواته ومنهجيته في التلقين والإلزام بالانصياع للرأي الواحد والمنهج الواحد. مع غياب مفاهيم الحرية والاستمتاع بالحياة أصلا. فأصبحنا نسلك نفس المسلك، نردد نفس الجمل، نرتدي نفس اللباس، بل وأصبح للكثير نبرة صوت واحدة ما زال صداها يتردد في أذني.

واليوم حين قرر الكثير منا – حتى من بعض رموز الصحوة نفسها - اختيار المنهج الديني الأيسر والاستمتاع بملذات الحياة المباحة، ورفض الوعظ القائم على التهديد والوعيد، والآراء الفقهية المتشددة، اتجه البعض إلى إسقاط مسؤوليته عن انتهاج نهجهم السابق على الصحوة ورموزها، وكأنهم كانوا يجروننا إلى طريقهم مقيدين بالسلاسل والأغلال! والأمر في الحقيقة فيه إجحاف وتجن.
لست هنا مدافعة عن أي طرف، ولا أتبع أي مدرسة فكرية منها، لكني أتساءل ألم نختر هذا الطريق بأنفسنا؟ ألم نكن على قناعة بأن هذا هو الطريق الصحيح والوحيد إلى الله؟ لماذا نهرب من تحمل مسؤولية قراراتنا؟.

لماذا هذا التباكي وحشد المجتمع للنيل منهم؟ نعم كان هناك تجاوزات في الطرح-من البعض- أساءت للدين وشوهته كإغراق المجتمع في تفسير الأحلام، والهوس بالعين والسحر والتلبس، والتخويف والتهويل من عذاب القبر، والتساهل في تصنيف الناس، وتسطيح معاني التدين وقصرها على المظهر كمعيار أولي للصلاح. ونفي الاختلاف الشرعي في الآراء الفقهية، صحيح أن كل هذا حصل، لكني أعتقد أن المجتمع كان مستعدا ومنسجما مع هذا الطرح، والدليل تمسك البعض بهذه الأفكار حتى اللحظة.

ومع كل ذلك لا أرى أن لنا الحق في اتهامهم بسرقة الأعمار وأننا كنا ضحايا. نحن من اختار – فعلا - بكامل إرادتنا هذا الاتجاه، وقررنا أن نصدق كل ما يطرح من قصص واجتهادات. واليوم أتساءل: أليس من الأجدى أن نقيم التجربة باتزان وموضوعية؟ أليس من الأجدر أن نعلم أبناءنا خلاصة تجاربنا، وكيف يمكنهم الاستفادة من الانفتاح الفكري غير المسبوق في هذا العصر، فيما يضمن الحفاظ على أصالة الدين وسلامة المعتقد، ليتحصنوا من أي أطروحة قادمة متشددة من اليمين أو اليسار؟.

باتت نقاشاتنا الفكرية هزيلة وطفولية لا تنم أبدا عن نضج أفرادها، ولا تليق بمجتمع ينتمي لأعظم الأديان وأسماها، للدين الذي يدعو دائما وأبدا للشجاعة، لحرية الاختيار وتحمل مسؤوليته وتبعاته، لاستماع القول واتباع أحسنه.

لأرواحكم السلام.