الرأي
الأربعاء 12 ربيع الثاني 1438 - 11 يناير 2017
كثير من الخردة

أطلق أحد المواقع الالكترونية العالمية مسابقة لكتابة الرواية تحت شعار فريد في نوعه. هذا الشعار والذي يصلح لأن يكون رسالة تنطبق على تجارب كثيرة من بدايات الكتاب الفائزين بجوائز محلية، على مستوى وطننا العربي. تقول الرسالة:» كن واثقا بأنك ستكتب الكثير من الخردة، وهذا أمر جيد. عندما تجبر نفسك على الكتابة المكثفة، فأنت تأذن لها بأن تخطئ، وتتجاوز عوائق المراجعة والتحرير والحذف اللانهائية، وتمضي قدما في عملية الخلق، وتبني في معزل عن الهدم».

وبالرغم من احتفائنا بمثل هذه التجارب إلا أنه تلاحظ الصعوبة في التوصل إلى شخصيات كتلك التي تحكيها الروايات العالمية مثل أبطال روايات التشيكي ميلان كونديرا خاصة ما جسدته رائعته «المزحة»، بالرغم من أن مثل هذه الشخصيات قد تكون حائمة حولنا. والصعوبة هنا نابعة من أنها رواية معقدة في إمتاعها، ليس لديها أطراف واضحة يسهل إمساك الحكاية من إحداها. ففي سخرية لاذعة، وسكب لمر العام في عسل الخاص استطاع الكاتب أن يخرجنا من الجو الرسمي واجتماعات الحزب وعقيدته وقانونه إلى قلب المراد من الرواية وهي صراع الفرد مع المؤسسة الحزبية، وتفاقم هذا الصراع حتى إذا ضاق أفقها ألغت هامش الحرية الفردية من خلال هيمنتها الأيديولوجية الأحادية.

بعض الشخصيات تدخل إليك من القلب مباشرة فهي لا تحتاج إلى تعريف بل تحسها وكأنها غابت عنك حينا ورجعت لتعيش معك في حقلك البري بطلاقة. قد تكون هذه الشخصية أما أو حبيبة أو أبا أو صديقا، وقد يكون عجوزا يتمثل في قصته صراع الإنسان مع الحياة كما في «الشيخ والبحر» لأرنست همنجواي، وقد يكون باخرة أو قطارا. وقد تترك كل هذه الشخصيات وتتعلق بمعنى حقيقي يتماهى ويندمج في تفاصيل الحكاية وعوالمها فلا تحتاج إلى تبرير تعلقك به إلى تفسير أو تركيب أو تشكل في الذاكرة.

وإن كان لكل عمر نوع قراءات معين، فهناك أشكال أدبية من القصص والروايات صالحة لكل زمان ومكان ولفئات عمرية مختلفة ما دام هذا العمر وصل بالفرد إلى مرحلة النضج العقلي. وفي استفتاء غير رسمي أجريته على عينة عشوائية من الزملاء والزميلات، منهم النهم في القراءة لدرجة تحس معها أن بقايا القصص والروايات تتدفق من بين صدغيه. ومنهم المنتقي وهذا من أكثر القراء وقوعا في الحيرة نسبة لشروطه الصعبة وغالبا ما يخرج من أي مكتبة يغشاها خالي الوفاض. ومنهم القارئ الكسول الذي ينتظر منك أن ترشح له كتابا وتعطيه عرضا سريعا ليختبر بعدها مدى استعداده لاختيار الكتاب المرشح. ما وصلت إليه من كل هؤلاء هو إجماعهم على أن الرواية تحتاج إلى ذوق فني رفيع وقارئ خاض قراءات صغيرة حتى ظفر بالوصول إلى متعة القراءة الطويلة.

أما القصص القصيرة فهي رغم أن اسمها يوحي بسهولة كتابتها، وأنها فن في متناول يد أنصاف المبدعين إلا أنها في الحقيقة من أصعب أنواع الكتابات، لأن المطلوب من الرسالة التي بين طياتها أن تصل في صفحات قليلة، مع الاستغناء عن كثير من التفاصيل. وتكمن الصعوبة أيضا في أن القاص قد يكتفي بالإشارة فقط إلى حدث أو معنى مما يستوجب أن يكون القارئ بالمقابل على قدر من الفطنة. كان الإجماع أيضا على أنهم يرون في القصص القصيرة تلك الفاتنة المحتشمة، أما الرواية فهي الفاضحة المعرية للتفاصيل. وفي كل لا بد أن تتخذ من الحب بمعناه العام ثيمة جوهرية حتى لو شرح بمقابله، مثل توظيف الظلم الممارس على المكتوين بناره أو المفارقات في قصص تخلق مقاربات مدهشة في عوالم المهمشين والمحبطين.

mona.a@makkahnp.com


أضف تعليقاً