الرأي
الثلاثاء 11 ربيع الثاني 1438 - 10 يناير 2017
أين الشجرة.. لنعض بأصلها؟!

في وسط كومة الأحداث المظلمة التي نعيشها إن لم نكن نريد الانجراف مع تيار الجدل العقيم حول نفس القضايا التي تدور في حلقة مفرغة، وننساق خلف «شهوة الكلام» نلجأ لصومعة ذواتنا نلوذ بالصمت والتأمل والتفكر!

وجدتني وسط هذه الحالة أستحضر هذا القول:
حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، حدثني بسر بن عبيدالله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.

على الرغم من أني أكثر من آمن أن الفكر لا يجابه إلا بالفكر، وأن الأسئلة المقموعة التي تكمم الأفواه إذا ما همت أن تنطق بها تتحول لقنابل موقوتة لا يحمد عقباها، إلا أن الوضع الحالي يحتاج لسكينة وتدبر ودعاء، لا يلزمنا المزيد من الأصوات العالية، ولا سفاسف الأمور التي تطفو على السطح بعد كل فاجعة تنزل بنا.

أشعر أننا نقف على أرض متصدعة زلزلت معها كل شيء، قناعتنا، معرفتنا، نفسياتنا. وبتنا نقلب الصفحات وندمن متابعة المزيد من الهرج والمرج حول الفتن، الذي لا يزيدنا إلا وهنا وحزنا وأسى.

والصحافة والإعلام والتواصل الاجتماعي كعادتها ساحة ملتهبة من أخبار الشائعات والحروب والعنصرية والبشاعة والدمار التي يقول لها لسان حالنا المنهك: هل امتلأتِ؟ وترد هل من مزيد!

طالما ناديت المتعقلين والمتوازنين من جيلي أن نملأ الفضاء بوحا ومبادرة، ويظهر كل واحد بفكره وطريقته وتخصصه، ليقول نحن هنا جيل من الشباب الباحث عن الوسطية والجدية، نحمل لواء التوازن، ونمد جسرا بيننا وبين من سبقونا، الراحلين منهم والباقين بيننا لننفي تهمة السطحية والغوغائية وتملق الشهرة عنا، ونقطع الطريق على من احترف التفاهة ووصم الجيل الجديد بعارها.

إلا أن الوقت الراهن أرى فيه ـ وقد أكون مخطئة ـ أننا أحوج ما نكون للسكينة والدعاء والتأمل والبحث عن الحقيقة ولملمة بعثرة ذواتنا المتطايرة كالشظايا بفعل شناعة الأحداث الدامية التي حلت بنا.


أضف تعليقاً