الرأي
الثلاثاء 11 ربيع الثاني 1438 - 10 يناير 2017
أزمة في طور التكوين

رغم أنني لا أقرأ في شؤون الاقتصاد وما يتعلق به وما يدور حوله إلا مكرها؛ لأن لكل نفس ما اعتادت وألفت، وما ألفت نفسي شؤون الاقتصاد وما اعتادت عليه، إلا أن الصديق الدكتور عبدالعزيز الدخيل أبى إلا أن يجرني إلى جولة طويلة فيما أكره من الموضوعات العميقة والتحاليل المعقدة والمتعبة لمثلي، ومن لم يتعامل في دهاليز المال ولم يعرف خباياه وعلله.

احتال علي الدكتور عبدالعزيز الدخيل، جزاه الله خيرا، بأسلوب أدبي جميل أغراني بالمتابعة والاطلاع وسهل علي عرض كل تعقيدات الاقتصاديين وشارتاتهم ورسومهم التي كأنها بالنسبة لي رؤوس الشياطين، بل إنني أتصور رؤوس الشياطين أكثر مما أتصور دلالات المنحنيات التي لا تخلو منها دراسة اقتصادية.

وليس ذلك فحسب، بل لعب لعبة الأدباء على عواطف الناس باختيار عنوانات جذابة وإن كانت مخيفة فوقعت عيني على (أزمة مالية في طور التكوين) ومددت يدي إلى كتابه الأخير الذي يحمل هذا العنوان، ولم يصل حتى الآن إلى السوق المحلية، وهذا العنوان وحده يكفي أن تبحث عن الكتاب وأن تجتهد في البحث لتقرأ الواقع الذي توسوس به النفوس في محيطنا المحلي، وليس للناس حديث غيره في هذه الأيام، وأهم من ذلك أن يصدر كتاب بهذا العنوان وبقلم كاتب متمرس في الكتابة وفي الاقتصاد وإدارته وكان يوما ما وكيلا لوزارة المالية لشؤون الحسابات -على ما أظن - فلا شك أنك ستضطر لقراءته وتقف عنده طويلا.

الكتاب لا يحمل رؤية المؤلف فحسب، ولكنه يحمل دراسة أكاديمية عميقة ويعود بخلفية ليست بعيدة لتاريخنا منذ تفجر في أرضنا البترول الذي هو بضاعتنا الوحيدة حتى اليوم. تستند دراسته إلى خبرة طويلة وممارسة عملية رزينة وتجربة نظرية وتطبيقية في مدارس الاقتصاد ومراكز البحوث المتخصصة، وهو أستاذ في أكثر من أكاديمية في شأن المال وشؤونه، كل ذلك يجعل لما جاء في كتابه قيمة عالية من الموثوقية والمعرفة في دورة المال والاقتصاد.

وكان جهده في كتابه موجها بجملته إلى وضع المملكة العربية السعودية، وهو ينظر إلى المستقبل برؤية ثلاثية الأبعاد، البعد الأول نظرته إلى المصدر الوحيد الذي يعتمد عليه اقتصاد المملكة العربية السعودية منذ أكثر من ستين عاما وهو البترول ومشكلاته، والجدل الطويل القائم حوله والهزات التي تعرض لها في الماضي ويتعرض لها في الحاضر.

والبعد الثاني وهو في رأيي بعد لم يلفت انتباه أكثر الدارسين للوضع المحلي، ذلك البعد هو البعد الاجتماعي والسلوك الاستهلاكي للمواطن السعودي، وما أصابه في سني الرخاء من تغير في عاداته وتقاليده الاجتماعية وطرق كسبه، وينظر إلى هذا البعد من جانبه المادي، ويبني عليه ما يتوقعه من آثار بعيدة في المستقبل القادم الذي لا يخفي تشاؤمه منه.

أما البعد الثالث الذي تناوله بتفصيل دقيق ووضع النقاط على الحروف كما يقولون فهو تكييف المستقبل القريب والمتوسط مع قدرات المجتمع وإمكاناته والسياسات التي يريد الدولة أن تقوم بها ومتطلبات الإصلاح التي لا بد منها دون إبطاء ولا تردد ودعوة المواطن إلى المشاركة الفاعلة في المستقبل الاقتصادي والإداري. وفي كل بعد من هذه الأبعاد الثلاثة وضع دراسات غير متسرعة من الاحتمالات والممكنات، وحتى الفشل والإخفاقات كان لهما نصيب مما جاء في الكتاب.

أما خلاصة الدراسة فإن الاقتصاد السعودي كبير في حجمه ولكنه بسيط في بنيته ولا بد أن يقوم الإصلاح في رأيه على لفت انتباه صناع السياسة الاقتصادية إلى الحاجة الملحة إلى تغيير هيكلي في الاستراتيجية الاقتصادية الحالية، وأن ننتقل من وهدة الاستهلاك والهدر إلى رحاب المدخرات والاستثمارات الواعدة، والوعي بأهمية تفعيل إمكانات المواطنين وقدراتهم وتشجيع الإنتاج الفعلي، وترك مساحة من حرية العمل النافع لكل أبناء الوطن دون قيود واستثناءات، تلك هي الخطوة الضرورية للتغلب على الصعاب التي قد نواجهها في السنوات القليلة القادمة، وذلك أملنا وأمل كل مخلص يرجو أن نتجاوز هذه الأزمة بخير وعلى خير.

marzooq.t@makkahnp.com


أضف تعليقاً