الرأي
الاثنين 10 ربيع الثاني 1438 - 09 يناير 2017
القدرة المالية ورفع سقف التمويل العقاري

محاولة الاجتهاد والتجريب ليست دائما صائبة، وفي كثير من المشاكل التي نمر بها كانت الحلول التجريبية غير عملية وغير فعالة، بل زادها فشل الحلول التجريبية تعقيدا وصعوبة أكثر مما كانت عليه، ومع ذلك نستمر في محاولة تجريب أنواع جديدة من الحلول التي تشير الدلائل إلى أنها لن تنجح، ولن تكون أفضل حالا من سابقتها.

جزء من الحقيقة أن نفتقد الرؤية الواضحة في تحديد أسباب هذه المشاكل بشكل دقيق، لذا نتجه لأي حلول تجريبية لعل وعسى تصدف، والأمثلة على ذلك تجدها في حلول تطوير التعليم، وقضايا الإسكان والبطالة والفساد، والجزء الآخر من الحقيقة أن السيناريوهات التي تنتهجها الجهات المعنية في حلحلة تلك المشاكل تتبنى وجهة نظر الجهات الحكومية أو المسؤول في تلك الجهة فقط، وتغفل جوانب أكثر أهمية تتعلق بالمستفيدين من هذه القرارات، وما إذا كانت هذه الحلول تتناسب مع إمكاناتهم أم لا؟ وهذا دليل قطعي على وجود حلقة مفقودة في بناء تصور كامل حول كل جوانب المشكلة أو الأطراف المعنية بها، وهو خلل كبير تنجم عنه حلول لا تتناسب مع الواقع المعاش.

نقطة الارتكاز في ذلك تظهر بوضوح في حلول أزمة الإسكان، فمحاولة التجريب الأولي التي قامت بها مؤسسة النقد العربي التي اشترطت أن يكون الحد الأقصى للتمويل العقاري الممنوح من البنوك للمواطنين لتملك المسكن الأول 70%، أثبتت عدم نجاحها بعد مرور سنة و8 أشهر، لأنها ركزت على التحوط المالي من الانخفاض المتوقع في أسعار العقارات وحماية البنوك والمؤسسات المالية، ولم تأخذ في اعتبارها القدرة المالية للأشخاص، ومدى قدرتهم على الادخار لتوفير 30% التي يتوجب عليهم دفعها، إذا ما علمنا أن ثقافة الادخار معدومة لدى الشريحة الأكبر من المواطنين، لذا لم تحظ بنجاح يذكر.

وفي محاولة منها لمعالجة هذا الخطأ، أعلنت مؤسسة النقد زيادة الحد الأقصى للتمويل العقاري الممنوح من البنوك والمصارف للمواطنين لتملك المسكن الأول، ورفع نسبة التغطية من 70% إلى 85 %، وهي محاولة تجريبية أخرى أشك كثيرا في قدرتها على النجاح في ظل التحديات الاقتصادية والمالية التي أثرت على قدرة المواطنين المالية، ومما يجعلها قد تواجه مصير سابقتها، وستكتشف مؤسسة النقد ووزارة الإسكان بعد مضي فترة أنها غير عملية وغير واقعية،لأن المبررات التي أوردتها مؤسسة النقد في بيانها حول تغيير سقف الإقراض ركزت على جوانب تشريعية وتنظيمية، كتطور البيئة النظامية والرقابية المصاحبة للتمويل العقاري، وأن هذا التطور يعزز من مستويات الحماية من المخاطر المصاحبة لهذا النوع من التمويل، بما يحقق المحافظة على حقوق أطراف العلاقة وثقة المتعاملين في التمويل العقاري وجميعها جوانب تتعلق بالتحوط المالي، وفي المقابل لم تشر إلى القدرة المالية لمعظم المستفيدين التي خلقتها الظروف الحالية إلا إذا كانت المؤسسة تستهدف شريحة معينة فقط دون باقي المواطنين.

المفارقة هنا أن كل إجراء يتخذ في قضايا الإسكان أو غيرها من القضايا لا يراجع بشكل دوري لتقييم فعاليته ونجاحه بل يترك فترة طويلة قبل أن يعاد النظر فيه، مع أن الستة أشهر الأولى كافية لتقييم أي قرار، باستخدام مؤشرات عدة، منها الإقبال عليه من عدمه.

على أي حال، لا أحد يجزم بنجاح حل معين دون وضعه موضع التطبيق، وانقسام الآراء حول مدى نجاعة هذه الإجراءات من عدمها يعود إلى اختلاف الزوايا التي ينظر منها كل فريق، لكن الشاهد في ذلك أنه لا نزال في محاولة تجريب حلول جديدة، وأن لدينا مشكلة في ربط حلول أزمة الإسكان مع الجوانب الرئيسة التي تؤثر في نجاح هذه الحلول من عدمه، كالمقدرة المالية للمستفيدين، ومتوسط الدخل للمواطنين، فهي لا تزال في حكم المسكوت عنها، والأضعف دراسة وحضورا في الحلول المقترحة لحلحلة أزمة الإسكان.


أضف تعليقاً