موفق النويصر

الاستحمام بمياه المجاري

شيء يبقى!
شيء يبقى!

الجمعة - 27 مايو 2016

Fri - 27 May 2016

دائما ما يخيل لي أنه لو استوقفت شخصا ما في الشارع وسألته: ماذا علق في ذاكرتك من حملة الترشيد التي قدمتها وزارة المياه طوال السنوات الماضية؟ ستكون إجابته (تجربة تقليص كمية المياه في السيفون بوضع حجر فيه).

هذه الحملة التي لم تنجح في دفع الناس نحو ترشيد استهلاكهم، انتهت برفع أسعار التعرفة، وتطبيقها بشكل خاطئ، وإقالة الوزير.

كذلك الفشل الظاهر منذ بداية الحملة لم يحفز الوزارة ولا المسؤولين فيها على تقديم حلول عملية تحافظ على المياه، بعيدا عن شعارات «الترشيد»، التي لم يلتفت لها أحد. وعندما أقول حلول عملية، فأعني بالتأكيد إعادة استثمار المياه المستخدمة، وليس تنوع «مسلسل الترشيد».

اللافت أن وزير المياه السابق المهندس عبدالله الحصين أورد إحصائية رسمية حدد فيها كمية استهلاك الفرد الواحد من المياه بنحو 85 ليترا في اليوم، وهو رقم كبير جدا في بلد يعاني ندرة الأمطار ويشرب ساكنوه من البحر.

وفي خطوة للتحقق من هذه الكمية أجريت بحثا عمليا للتأكد من دقة المعلومات، فوجدت على سبيل المثال أني أستحم على الأقل مرة واحدة في اليوم، ولمدة لا تقل عن 8 دقائق، تكون فيها أول 40 ثانية لمعادلة درجة حرارة المياه قبل وصولها إلى جسمي، يلي ذلك هدر نصف الوقت على استخدام المنظفات الشخصية قبل إزالتها بالماء.

ويتكرر الحال عند الوضوء أو قضاء الحاجة أو الحلاقة أو غسل اليدين بعد الأكل، ناهيك عن كمية المياه المستخدمة أثناء غسل الملابس أو تنظيف الصحون والأرضيات أو الطبخ والشرب أو شطف الخضراوات والفواكه قبل أكلها، وهي بالمناسبة أنماط كثيرة نشترك فيها جميعا بهدر كميات لا بأس بها من المياه.

المزعج في الأمر أن جميع هذه المياه، باختلاف درجات تلوثها، تتجمع مباشرة في غرف التصريف المنزلية، ومنها إلى مصبات الصرف الصحي أو البحر.

ذلك يقودني للتساؤل، لماذا تجاهلت وزارة المياه جميع التجارب الناجحة حول العالم للاستفادة من المياه المستخدمة، وركزت جهودها على تثقيف الناس «الترشيد»، في حين أن أحد هذه البرامج كان كفيلا بتقليص كميات المياه المستخدمة وبنسب عالية.

ولا يفوتني هنا التذكير بالتجربة البريطانية، التي لم تركن لوفرة المياه لديها، فنفذت خطة من شقين، الأول: إقامة محطات معالجة ثلاثية في مختلف المناطق، والثاني إلزام ملاك المنازل بفصل تمديدات المياه المتجهة لدورات المياه عن الأخرى المتجهة للمطابخ، بحيث تضخ في الأولى المياه المعالجة للاستحمام بها واستخدامها لمختلف الاحتياجات الأخرى، فيما توجه للثانية المياه الطبيعية للشرب والطبخ بها، مع ملاحظة أنه لا يمكن التمييز بين الاثنتين.

الأكيد أن تنفيذ المشاريع الجديدة يحتاج للوقت والجهد والمال فيما لو طبقت على نطاق واسع، دون أن تكون لدينا مؤشرات حقيقية لنجاحها. لكن ماذا لو شرعت وزارة الإسكان على سبيل المثال بتنفيذ إحداها عبر مدنها الجديدة، أليست تجربة تستحق المغامرة لمعرفة مدى جدواها من عدمه، أليست هذه البرامج أولى بالإنفاق والجهد بدلا من حملات الترشيد المنتهية بتلويث البيئة والبحار بمخلفات المجاري.

alnowaisir@