حسام عبدالعزيز مكاوي - باحث في تاريخ مكة المكرمة

عندما استلم السلطان عبدالحميد مقاليد السلطنة العثمانية، جعل مشروع سكة حديد الحجاز ضمن دائرة مشاريع الدولة المهمة، واضعا نصب عينيه أهميته في تعزيز الجوانب العسكرية للدولة، حيث اعتبرت الخطوط الحديدية في تلك الفترة من أهم آليات الحرب الحديثة لدورها في تعزيز الجوانب الدفاعية، إضافة إلى أهميتها في مجال النقل والمواصلات.

وبدأ العمل في سكة حديد الحجاز في 1900 /1318، والتي وصفت في المراجع المعاصرة بأنها أكبر مشروع تنموي إسلامي في القرن التاسع عشر، ومول وتبرع للمسلمين داخل الأراضي العثمانية وخارجها، ورفض السلطان أي قرض أو مساعدة من الدول الكبرى.

وكما يقول الدكتور هولاكو متين في كتابه القيم الخط الحديدي الحجازي المشروع العملاق للسلطان عبدالحميد الثاني «وصلت مجموعة التبرعات في الفترة من 1900-1908م إلى ثلاثة ملايين وتسعمائة وتسعة عشر ألف وستمائة وستة وتسعين ليرة عثمانية، أضيف إليها مجموعة من الالتزامات التي فرضت على الجهات الحكومية والشعبية لصالح المشروع مثل قيمة الطوابع التي توضع على الوثائق والسندات الرسمية، إلى جانب ما قدمته الدولة من ميزانيتها الخاصة، بل وحتى طلب من الأهالي التبرع بقيمة جلود الأضاحي لمساندة المشروع». وكانت تعطى شهادات تقدير وأوسمة للمتبرعين، تقديرا وتشجيعا لهم.

وامتد الخط الحديدي بطول 1464كلم، من دمشق حتى المدينة المنورة خلال ثمانية أعوام من العمل المتواصل، بمشاركة الآلاف من الموظفين والجنود العثمانيين، متحديا بذلك العراقيل التي وضعتها كثير من الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا التي كانت ترى في إنشاء الخط الحديدي الحجازي تهديدا لمصالحها، إضافة إلى العراقيل الأخرى التي ظهرت، كصعوبة التضاريس وقلة العمالة، والحالة الاقتصادية للدولة.

وأطلق على المشروع اسم سكة حديد الحجاز، وكأن في ذلك إشارة لربط المشروع بمعقل الإسلام الأول، حيث تهوي قلوب المسلمين من كل مكان، مما صبغ المشروع بالصبغة الإسلامية التي كان يتعطش إليها المسلمون في وقت كانت فيه آخر معاقل الخلافة تحتضر، وركزت الدعاية التي صاحبت المشروع على أهميته في الدفاع عن المدن الإسلامية ضد التمدد الاستعماري، إضافة إلى مساهمته في تيسير نقل الحجاج، مما جعل لهذه الدعاية الأثر الأكبر في تعاون المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لإنجاز هذا الهدف، وتبرعهم بالقليل والكثير لإتمامه.

وكبقية العواصم والمدن الإسلامية في ذلك الوقت، شارك أهالي مكة في التبرع لهذا المشروع، وقدمت التبرعات من المكيين على اختلاف طبقاتهم، ولأن مكة مرتبطة مع معظم الممالك الإسلامية في الشرق والغرب بسبب الحج ارسل أميرها الشريف عون الرفيق مندوبين من قبله إلى كل حكام الأقاليم الإسلامية لجمع التبرعات، فأرسل حسن خان الأفغاني لبلاد الهند معه خطابات لملوكها من المسلمين، يناشدهم فيها التبرع لهذا المشروع الإسلامي.

كما أرسل السيد مسعود الدباغ للمغرب العربي لجمع التبرعات من هناك، وكلف كبار مطوفي حجاج جنوب دول شرق آسيا بجمع التبرعات من الدول التي يقدم منها الحجاج، كلا حسب الدولة التي يصل منها حجاجه.

وعند اكتمال أجزاء من المشروع في 1322هـ خرج وفد من مكة المكرمة للمشاركة في فعاليات افتتاح الأجزاء التي انتهى العمل فيها والتي تزامنت مع ذكرى جلوس السلطان على عرش السلطنة، وكان الوفد برئاسة الشيخ يوسف قطان، وعضوية كل من الأديب محمد سعيد فتة والشيخ سعيد شطا والأديب والمدرس عبدالحميد قدس وعبدالله مؤذن ورافقهم من أهالي جدة الشيخ عبدالله باناجة، وخصصت لهم سفينة لتنقلهم إلى بيروت، حيث أقاموا بها في ضيافة واليها، ثم توجهوا إلى معان لمراسم الاحتفال، وقدم الأديب عبدالحميد قدس قصيدة تهنئة للسلطان عبدالحميد بهذه المناسبة، وبعد وصلوهم إلى مكة أرسل إليهم السلطان نياشين وفرمانات يشكرهم فيها على مشاركتهم.

وكما بني الخط الحديدي بأيدي العرب والمسلمين، دمر أيضا بأيديهم، حين أعلن الشريف حسين ثورته على الأتراك في 1334هـ وخربت القوات الموالية له وبتحريض من لورنس القائد البريطاني لمنع نقل الجنود العثمانيين إلى الأراضي الحجازية، ولم يعمل إلا لمدة عشر سنوات منذ إنشائه، أي مدة تتجاوز بقليل جدا الفترة التي استغرقها البناء، وتحولت معظم المحطات الخاصة بالقطار إلى متاحف.

makkawi@makkahnp.com