الرأي
الثلاثاء 27 رمضان 1439 - 12 يونيو 2018
السارق لنفسه

يقولون: من اشترى ما لا يحتاجه فهو سارق لنفسه. وهي حكمة بليغة، وتأتي بلاغتها من موازاة عمل السرقة الخفية بعمل سرقة النفس الظاهرة، وهي كذلك توصيف للسرقات وأنواعها، فهناك الاختلاس والنهب والخديعة والنشل وخفة اليد، وغير ذلك من الأسماء والصفات التي تنضوي تحت طائلة عريضة المتشابهات، وفي النهاية تعني فقدان المال ووضعه في غير موضعه في أي صفة تكون ولأي قصد يراد به، وما يجمع ذلك كله هو وضع الأمر في غير موضعه الطبيعي، فالسارق ينهب ما في أيدي الناس ويصادر ما في جيوبهم.

وليس سارق النفس كما في الجملة الأولى بأقل خطرا على المجتمع وعلى الناس وعلى نفسه من سارق الغير، بغض النظر عن طبيعة السرقات وأشكالها وما يتعلق بها أو يترتب عليها، فمحصلة ذلك كله أن إنفاق المال في غير ما حاجة للإنفاق هو سرقة له، ومع ذلك لا يخشى لوما ولا يخاف عقابا. ولو بحثنا في التراث الثقافي العربي لوجدنا كثيرا من الأمثال والقصص التي توصي باحترام المال وصرفه في مصارفه دون إسراف، سواء المال الشخصي أو المال العام، وتفضل الاقتصاد في الإنفاق في كل الحالات على التبذير.

فيما ينفق وما يستهلك وأشرفها وأصدقها وأقربها إلى الحق وميل النفس وطبيعة الأشياء وصيته لعباده في محكم التنزيل «كلوا واشربوا ولا تسرفوا»، فقد حدد النص الكريم ضرورة الأكل والشرب اللذين لا غنى عنهما وربطهما بشرط مانع وهو عدم الإسراف والتوسع فيما هو غير ضروري يقود في النهاية إلى سوء الاستعمال وخطأ العمل.

ومع كل ذلك فإن الإسراف والتبذير أصبحا ظاهرة في كثير من مناسبات الناس وفي تصرفاتهم إلا القليل منهم، وقد كانت الأخبار عن موائد الإسراف والمبالغة فيها تنقل مشافهة ولا يراها إلا القليل الذين يدعون إليها حتى جاءت وسائل النقل بالصوت والصورة، فظهر للناس من التبذير ما لا يصدقه العقل ولا يقبله الإنسان السوي مهما كانت القدرات المالية التي قد تكون لدى بعض الناس الذين يستطيعون بما حباهم الله الإنفاق كما يشاؤون، وهذا من أشكال التظاهر غير المألوف.

أما أخطر صنوف التبذير وهدر الأموال فهو حين يكون في شهر مثل رمضان المبارك الذي تتضاعف فيه عند المحسنين الرغبة في الإنفاق المشروع في سبيل الصدقة ومضاعفة الحسنات والقرب إلى الله، هذا هو حال الناس أو هذا هو ما يجب أن يكون عليه الإنفاق المشروع والأجر المطلوب به رضا الله ونفع الناس، لكن في حياة الناس اليوم كثير من وجوه الصرف الزائد عن الحاجة، وشاهده ما يحصل في بعض المناسبات، ولا سيما في رمضان، حيث يتحول العطاء المشروع إلى إنفاق منكر حين يجنح بعض القادرين إلى شيء من الاستعراض في الموائد الطائلة والمبالغة غير المقبولة في وجوه الصرف على الأطعمة التي لا تدعو الحاجة إليها. ويتلو رمضان وما فيه من الصرف المرهق العيد وما فيه من متطلبات وتبعات توجب مزيدا من صرف ما قد بقي في جيوب أهل الكفاف، أعانهم الله ورزقهم حسن النظر وحسن التدبير.

Mtenback@


أضف تعليقاً