الرأي
الجمعة 23 رمضان 1439 - 08 يونيو 2018
الخوف من الأمن!

الأمن نعمة عظيمة، والشعور بالأمان غاية كل شيء، أعمالنا وعلاقاتنا ومشاعرنا كلها أشياء هدفها النهائي هو أن نشعر بالأمان في نهاية المطاف. أمان من أي نوع سيجعل الحياة شيئا يستحق أن يعاش.

لكن ومع هذه الأهمية إلا أن الهوس بالأمن مثل أي شيء آخر، إن زاد عن حدوده فإنه سيتحول إلى شيء آخر.

يحوله إلى شيء يفقد الناس الشعور بالأمان، وستبدو الحياة غريبة مريبة حين يخاف الناس من «الأمن».

هل أبدو كمن يدعو إلى الانفلات الأمني؟! أو كمن يحرض على أن يتجاهل الناس واجباتهم ومسؤولياتهم تجاه إبلاغ الجهات الأمنية عن الجرائم وما يؤدي إلى الجرائم؟!

إن كنت قد وصلت إلى هذا الاستنتاج فلا حاجة تدعوك إلى إكمال المقال، أنا وأنت نسير في خطين متوازيين ولا يمكن أن نلتقي حتى يلج الجمل في سم الخياط، والخطان المتوازيان اللذان لا يلتقيان مصطلح يستخدم حين يريد طرف أن يخبر طرفا آخر بأنه غبي ولكن بأسلوب يبدو لطيفا وفيه استخدام للحقائق الهندسية المجردة.

وإن كنت لا زلت مصرا على الاستمرار في القراءة رغم استنتاجك السابق فإني أقول لك بأن ما أتحدث عنه هو الهوس الأمني لدى الناس وليس لدى جهات الأمن، في تويتر على سبيل المثال الكل يريد أن يبلغ عن الكل، والكل يريد أن يرفع قضية على الكل، والتهديد بالتبليغ عبر بتطبيق «كلنا أمن» يمكن أن يحدث بسبب خلاف على ألحان أغنية سلفادورية أو رأي مخالف عن هدف في الدوري الفيتنامي.

الكل يعتقد أنه وحده المسؤول عن أمن الوطن، وأن بقية الناس مجرد خونة وعملاء ومجرمين محتملين، والشك في الناس مقدم على الثقة. وهذا وضع مريض وغير سوي وغير مبرر.

هذا الهوس البوليسي يمكن التعايش معه بما أن وجوده مقتصر على الغرباء في وسائل التواصل، لكن الجحيم الحقيقي سيبدأ حين ينتقل هذا الهوس إلى الحياة الواقعية ويبدأ الناس في التجسس على بعضهم البعض لأن كلا منهم يحاول أن يثبت أنه أكثر وطنية من جاره. وحين يبدأ الناس في الخوف من الكلام ـ أي كلام ـ حتى في مجالسهم الخاصة ومع أصدقائهم.

وعلى أي حال..

كأني لاحظت أن واحدا من أبنائي يحاول استنطاقي مؤخرا ودفعي إلى الحديث عن أمور أكبر من سنه ـ ومن سن أهله ـ وأخشى أنها مسألة وقت قبل أن يصرخ في وجهي ويخبرني أن أرشيفي موجود، وأن وقت الحساب قد اقترب. وربما لا يكون في ذهنه شيء من ذلك، وكل ما في الأمر أني بدأت في الوسوسة مبكرا. لكن الحذر واجب.

@agrni


أضف تعليقاً