الرأي
الأربعاء 21 رمضان 1439 - 06 يونيو 2018
أهلا بكن في الجحيم !

كنت طالبا جيدا أقرب إلى المتفوقين مني إلى الزملاء الآخرين الذين كان بينهم وبين التفوق سوء تفاهم وقطيعة غير مبررة.

وفي ذلك الوقت كانت مسألة الطالب المتفوق تشكل فارقا لأن الأمر فيه صعوبة ونجاح ورسوب، وأحد الزملاء الذين كان ممتازا في كل المواد أعاد دراسة الصف الخامس لأنه لم يجتز مادة الإملاء في الدور الأول ولا في الدور الثاني. وأصبح مصنفا مع الذين لا تناسبهم الدراسة ولا يناسبونها مع أنه بمقاييس هذه الأيام يمكن أن يكون ضمن طلاب مركز رعاية الموهوبين والمتفوقين.

وكان النجاح مغريا ومحرضا على المزيد منه، واستمر هذا الوضع حتى أنهيت المرحلة الثانوية دون أن أتعرض لأي إخفاق من أي نوع، كل الاختبارات التي دخلتها اجتزتها بنجاح، وفي بعضها كان النجاح متميزا ومبهرا. وفي أخرى كان نجاحا عاديا.

ونظرا لطول السنوات التي لم أعرف فيها سوى النجاح فقد بدا لي أنه لا يوجد شيء آخر غيره، وهذه مشكلة من مشاكل النجاح الدائم، حيث يصبح الإخفاق أكثر ألما وأشد تأثيرا، وربما يؤدي إلى سلسلة لا منتهية من الإخفاقات.

كان الفشل الذريع المريع الأول بالنسبة لي هو في اختبار رخصة القيادة، حيث كان الحصول عليها ومن مرور «بيشة» تحديدا يشبه الحصول على شهادة عليا في القانون من هارفارد. كانوا معقدين وجادين أكثر مما ينبغي. وخطأ واحد يعني أنك ستعيد الاختبار مرة أخرى وأنت من الصاغرين.

وجدت صعوبة في التعايش مع فكرة أني «فشلت»، كان الأمر بالنسبة لي أكبر من موضوع رخصة قيادة فقط، وحتى حين عدت مرة أخرى واجتزت الاختبار لم أفرح به ولم أحتفل، ولم أتصور مع رخصتي بالطبع وأقل إنها لحظة تاريخية في حياة الشعوب، كل ما في الأمر أني شعرت أنه نجاح أشبه بالإهانة.

ولأن شرف النجاح «مثل عود الكبريت» يحترق مرة واحد فقط، فقد كان ذلك اليوم المشؤوم بداية رحلة جديدة، وأصبحت القاعدة هي أن أفشل في كل امتحان أدخله والاستثناء هو النجاح، وغالبا يكون نجاحا باهتا لا معنى له. ولا زال هذا الوضع مستمرا حتى ألفته وألفني وأصبحت أستقبل الفشل بابتسامة وأقر له بوفائه وحرصه على القرب مني.

وعلى أي حال..

لعل في قصتي عبرة للأخوات اللواتي يفرحن كثيرا برخصة القيادة ويتصورن معها ويعتقدن أن التاريخ يرقص فرحا بدخولهن إلى صفحاته، الأمر أهون من ذلك بكثير، والصعوبات لم تأت بعد. والمبالغة في الفرح بالنجاح قد تكون لها عواقب وخيمة حين يرتفع سقف الطموح وتظنن أن الشوارع والطرقات والسائقين والمرور وكاميرات ساهر وشركات التأمين ووكلاء السيارات و«الشريطية» وورش الصناعية سيقيمون لكن ممرا شرفيا، هذا لن يحدث، وستكتشفون أن كل شيء يقول لكن: أهلا بكن في جحيم القيادة الذي لا يستثني أحدا.

@agrni


أضف تعليقاً