الرأي
الأربعاء 21 رمضان 1439 - 06 يونيو 2018
طحين الفلسفة!

صاحب محل التميس الصغير في ناصية الشارع يصنع تميسا ممتازا، إنه الأفضل على الإطلاق، وأنا بحكم أني «خبير في الجماعات التميسية» فقد أعطيت لنفسي الحق في تصنيفه كأفضل صانع خبز في حارتنا والحارات المجاورة، والحقيقة أنه يهتم بمهنته ويعطيها حقها، ويؤدي في مخبزه بشكل ممتاز ومبهر ويستحق الإعجاب.

كنت أذهب إليه أحيانا ليس لشراء الخبز ولكن لكي أستمتع بمشاهدة مهاراته وهو يراقص الخبز قبل أن يلقيه في التنور، كان فنانا حقيقيا.

في فترة لاحقة ولأني معجب به كثيرا بدأت أثق في آرائه في كل أمور الحياة، سألته عن الاحتباس الحراري وعن نمور التاميل وعن جفاف دجلة وعن بورصة طوكيو، ثم استشرته في موضوع طرح أسهم أرامكو للاكتتاب، وعن حظوظ منتخبنا في كأس العالم، وعن تفلت سيرخيو راموس على لاعبي ليفربول في نهائي دوري الأبطال، وكان يجيب بلا تردد لأنه ربما خشي أن تهتز صورته في ذهني وقد تخيلته ماهرا مجيدا في كل شيء.

لكنه تحت هذا الضغط الجماهيري ـ في الحقيقة أني جمهوره الوحيد ـ بدأ يقول أشياء غير منطقية، وبدأت أحاديثه أقرب إلى «البلاهة» من أي شيء آخر، وبدأت صورته تهتز في عيني حتى إني لم أعد معجبا بالخبز الذي يصنعه رغم أن إبداعه في ذلك هو سبب جماهيريته الطاغية.

لقد قضيت عليه تماما لأني توقعت منه إبداعا في كل شيء، فالقادر على صنع خبز بهذه المهارة قادر على أن يفعل أي شيء آخر بذات الإبداع. وأنه يفهم في حياة الفلسفة وفلسفة الحياة كما يفهم في أنواع الطحين ودرجات حرارة التنور.

وأظن أن هذا يحدث مع كثيرين خارج مخبز صاحبنا، فنحن حين نعجب بممثل أو مطرب أو لاعب فإننا نريد منه أن يفتينا في كل أمور الحياة، لأننا نتصور أنه موهوب في كل شيء، ولذلك يخرج بعض هؤلاء سذجا وسطحيين وبلهاء أحيانا في كثير من حواراتهم التلفزيونية، ليس لأنهم كذلك بالفعل، ولكن لأننا نريد منهم أن يحدثونا في كل شيء حديث الخبير العليم، وهم ليسوا كذلك. والحافظ الذي يتكلم بطريقة الفاهم يبدو مضحكا أكثر من كونه مقنعا. وهذا ليس أمرا سيئا بالطبع.

وعلى كل حال..

من الجيد أن يهتم الخباز بمخبزه وأن نثق به في مجال صنع الخبز فقط، وأن يكون تعاملنا معه مبنيا على أنه خباز. ونحذره من أننا لن نتسامح معه لو أكل نصف الخبز لأن الأمثال ليست قوانينا واجبة النفاذ.

@agrni


أضف تعليقاً