الرأي
الثلاثاء 20 رمضان 1439 - 05 يونيو 2018
الحصاد

انصرم قبل أسابيع عام دراسي كامل، وكان حصاده ما يقارب من ثلاثمئة وستين ألف خريج وخريجة من الثانوية العامة في سنة واحدة، وهو حصاد خصب ولله الحمد، وهذا العدد الكثير والنسبة العالية الذين خرجتهم المدارس الثانوية محل فرحة أهلهم وابتهاجهم، وعدد كثير كهذا يلقي على كاهل كل مسؤول وكل أسرة وعلى المجتمع مسؤوليات جسيمة لمن يهمهم مستقبل هؤلاء الخريجين وأين سيتوجهون وما يمكن أن يقدم لهم من فرص وتوجيه ليكون ذلك التوجيه وتلك الفرص خدمة لمستقبلهم وخدمة لمجتمعهم، والاستفادة القصوى منهم في كل الاتجاهات.

من البدهي أن يكون توجه هؤلاء الخريجين إلى مجالين اثنين، أولهما مواصلة التعليم العالي، وهذه أصبحت رغبة كثير من الطلاب ومن أولياء أمورهم، حتى إن من لم يلتحق في الجامعات أو لا تقبله يحاول أن يجد قبولا في شتى الطرق، الفريق الثاني وهم غالبا من قطاع محدد من الخريجين سيتوجهون للمجال العسكري الذي ما زال يتيح فرصا جيدة بمستويات مختلفة ويستوعب أعدادا كثيرة من الراغبين في الخدمة العسكرية، ولا سيما الذين لا تساعدهم ظروفهم المالية على الاستمرار الطويل في انتظار الفرص البعيدة في سنوات التعليم الطويلة.

من المسلم به أن الغاية من التعليم في كلا مستوييه هو البحث عن فرص أفضل للمرء كالتأهيل للعمل النافع والوظيفة الممكنة وخدمة الخريج أولا وقبل كل شيء ثم خدمة وطنه، وأن يكون تعليمه رافدا مهما لقدراته وشاحذا لملكاته التي تكمن في نفسه وما يستفيد منه في حياته.

والتعليم في كل مراحله يعد وسيلة واحدة من وسائل كثيرة للنجاح في الحياة وليس التعليم العالي هو كل الوسائل الممكنة، فهناك وسائل كثيرة وفرص جمة قد تحقق للمرء حياة أفضل مما تحققه الشهادة التي قد يقضي في طلبها سنوات كثيرة تفوت على بعض طلاب الشهادة فرصا أفضل، ولو استغل الوقت وعمل لاقتناص فرص يتيحها مجال غير التعليم، لكان أولى له وأرفق، وليس ذلك تقليلا من أهمية مواصلة التعليم ولكن المعني بهذا القول هم الذين قد لا يملكون مواهب يمكن أن تشحذ في التعليم العالي، وقد تكون الممارسة العملية لهم أكثر نجاحا من الدراسة والشهادة، والكل يعرف أن التعليم العالي أو الجامعي لا ينجح فيه كل من تخرج من التعليم العام ولا يلتحق به كل خريجيه، ومن تجارب الأمم أن العدد القليل هم من يقبلون في التعليم العام ويسيرون به لتفاوت القدرات واختلاف الاهتمامات بين الناس. والشباب الذين يكملون التعليم العام ينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول: هم من يستطيعون ويتوقع أنهم يستطيعون مواصلة الدراسة الجامعية بنجاح ولديهم إمكانية الاستمرار في التعليم ولهم الرغبة في تخصصات قد لا يجدون التدريب عليها إلا في الجامعات كالطب والهندسة والصيدلة وبقية العلوم التطبيقية التي تحتاج إلى تعليم منتظم ومختبرات وتدريب عال، وهؤلاء هم من تستقبلهم الجامعات ويحققون فيها رغباتهم ومستقبلهم الذي يرغبون فيه ونسبتهم قليلة مقارنة بمن يتخرج كل عام من التعليم الثانوي.

القسم الثاني: هم الأكثر عددا الذين يبحثون عن العمل أيا كان نوعه، ولا سيما الحرف والمهن التي يحتاجها المجتمع، وليس من الضروري التأهيل العالي لمثل هذه المهن كالبيع والشراء في الأسواق وممارسة مهن ضرورية قد تدر كثيرا من المال على المتخصصين فيها أكثر مما تدره التخصصات الجامعية، ولا سيما أن الشهادة التي كان في السابق يقدمها الحاصل عليها ليجد أمامه أكثر من خيار وأكثر من وظيفة تنتظره هذه قد انتهى دورها، وأصبحت الشهادة التي تأتي بالوظيفة هي المعرفة وإتقان صنعة من الصنائع وإحسان مهنة من المهن والنجاح فيها.

أزعم أنني أعرف التعليم جيدا وأقول بكل ثقة وأمحض كل طالب النصيحة: لم تعد ورقة الشهادة مجدية إلا أن تقترن بمعرفة ومهنة وحرفة يحسنها طالب العمل وإن لم يحمل شهادة ولم يتخرج في جامعة. لا تذهبوا إلى الجامعات، اذهبوا إلى مؤسسات التدريب والتقنية، وعودوا إلى المثل القديم صنعة باليد أمان من الفقر، وليس شهادة لا تنفع.

Mtenback@


أضف تعليقاً