الرأي
الاثنين 19 رمضان 1439 - 04 يونيو 2018
عفو لوجه «المال»!

أظن ـ والله أعلم ـ أن الحكومة والشعب وما بينهما من خلق متفقون ـ تقريبا ـ على فكرة أن المطالبات بالعفو والتنازل في قضايا الدم تحولت من فعل جميل ومحمود وهو الصلح وعتق الرقاب، إلى شيء قبيح ومذموم يمكن أن يقال عنه ودون تحفظ إنه متاجرة بالدماء.

شاهدت ـ وأظن أغلبكم فعل ـ مقطعا مصورا يطالب فيه أهل القتيل بمبالغ مالية لم أسمع بها إلا في نشرات الأخبار الاقتصادية، ومثل هذه المطالبات تبدو مألوفة في سياق مبالغات هذه القضايا ـ وكونها مألوفة لا يعني أنها مقبولة، لكن الذي بدا لي أمرا جديدا وغير مألوف هو مطالبة أهل المقتول بأمور ليست من اختصاص أهل القاتل، مثل القبول في الكليات العسكرية والتوظيف وغيرهما، وكان المقطع الذي شاهدته قصيرا ولم أسمع بقية المطالب، ولكنها كانت في اتجاه متزايد، ربما طالبوا بمنح لقب «دوق» لأشقاء القتيل رحمه الله.

والمستفز في الأمر ليس أن أهل القتيل طالبوا بقبول في الكليات العسكرية، فمن حقهم أن يقولوا ما يشاؤون، لكن الذي يخيفني فعلا هو أنه تتم الموافقة على مثل هذه الطلبات بالفعل، وأنه يتم قبول طلاب في «صفقات تسوية» وأن هذا الأمر طبيعي ويحدث، وأني لست سوى إنسان يستغرب مما لا يستغرب منه ويخاف مما لا يخيف. والأمر يحتاج لتوضيح من الكليات التي ورد ذكرها في تلك القائمة.

جبر الله قلب كل مكلوم، ولا أحد يتمنى أن يكون طرفا في قضايا من هذا النوع، وأتفهم كثيرا مصاب أي أسرة تفقد أحد أفرادها، وأتفهم حرص أسرة أخرى على عدم فقدان أحد أفرادها، لكني مؤمن أن المطالبة بمبالغ فلكية في مقابل دم قريب ليست سوى متاجرة بدمه، ومقتنع بأن الورثة الذين يبيعون دم قريبهم مقابل المال يسيئون له أكثر مما فعل القاتل، ومتيقن بأنه ليس لمثل هذه القضايا والمواقف سوى أحد حلين، فإما العفو لوجه الله، والأمل بما عنده سبحانه، وإما الإصرار على الحق في القصاص. أما العفو لوجه الملايين فإنه ليس لله وليس من أجل المقتول.

وأتمنى أن يستفاد من هذه النزعة الخيرية لدى الناس ومن الإبداع في جمع مبالغ الديات، في تسخير هذه القدرة والكرم والسخاء في سبيل التكافل بين أفراد المجتمعات أو القبائل، وأن تصرف في أوجه تحافظ على كرامة الأحياء. فالفقير الذي يحتاج عشرة آلاف قد تغير حياته لن يجد من يعطيها له، لكنه حين يتحول إلى قاتل فسيجد أن قبيلته نفسها على استعداد لجمع الملايين من أجل إنقاذ رقبته وإعادته إلى حياته الطبيعية يبحث عن الألف ولا يجده حتى يقتل.

وعلى أي حال..

لا بد من تشريع صارم ينظم مثل هذه القضايا، ويحفظ كرامة الأحياء وحقوق الأموات ويجرم ما يقوم به سماسرة الدماء. وأعني بتشريع صارم أن يكون تشريعا يطبق، لأنه توجد تنظيمات تتعلق بهذه القضايا، لكنها ليست سوى كلمات وحبر وورق.

@agrni


أضف تعليقاً