الرأي
الثلاثاء 13 رمضان 1439 - 29 مايو 2018
ما أبشعك حين تكون ممرا!

نعيش الضخ المعلوماتي الرهيب الذي يمتاز به عصرنا عن أي عصر عرفته البشرية، فقد بات العالم بأكمله مختزلا في جهاز (الهاتف) الذي يحمل إلينا كل شيء بلا استثناء، حتى بات هذا الجهاز الصغير أساسيا في جل شؤون حياتنا وتواصلنا ومعلوماتنا وشؤوننا الحياتية المختلفة، وهذه نعمة كبرى تفتقت عنها أكمام العقل البشري المذهل.

المؤرق في هذا الضخ المعلوماتي العصري أنه أبى أن يتخلص من بشريتنا، فلم يصل ذكاؤه بعد إلى رفض نقل المعلومات المكذوبة أو المشوشة أو المغشوشة أو المغلوطة، بل ما يزال يفتقر عميقا إلى هذا الذكاء، ولا محيص عن إعمال (فلتر العقل البشري) للبحث والتقصي والتمحيص والتحقق.

المعلومات حين تمر إلينا، هي ـ غالبا ـ لا تمر مرورا نقيا، فأحيانا يكون المصدر الأول للمعلومة متهما، ولكن ـ أيضا ـ لو افترضنا أن المصدر الأول نقي 100%، فربما تحرّف في محطة من محطات توقفها، فأحيانا يكون التلقي مشوشا، والفهم مضطربا، ومرات تلعب الأجندات الخاصة دورا في تحريف المعلومة، والأجندات كثيرة جدا، لا نعلم غالبا من وراءها، فمنها السياسي ومنها العقدي ومنها العرقي ومنها التجاري وغيرها الكثير.

أتذكر رسالة وردتني على الواتس اب (شرح + فيديو)، فكان الشرح عن جهاز أشعة جديد يتيح للطبيب التجول المباشر داخل جسد المريض لمعرفة العلة الجسدية بدقة، شاهدت الفيديو فأدهشني جدا، ولأن الشرح وجه فهمي؛ تسرعت فشاركت الفيديو على حسابي في تويتر، وتفاعل معه خلق كثير، إلا أن شابا متخصصا كتب أنه جهاز مصنوع يحاكي الجسد الآدمي يتدرب عليه طلاب الطب، فأصابني إحباط شديد، وندمت عميقا على نقل المعلومة المضللة، وإهمالي التحقق من صحة المعلومة، فالتحقق اليوم لا يعدو البحث السريع في محرك قوقل، وذو اللب سيعرف المصدر الحقيقي من الزائف.

تصلني كما تصلكم آلاف الرسائل يوميا، ولا أقرأ 10% منها، لكن غالبا ما أجد معلومات مغلوطة، وحاشا أن تكون التقنية هي المتسبب، فالمتسبب إنسان مولع بتمرير كل رسالة تصل حسابه، دون تثبت، وبعض الرسائل الطويلة جدا، أزعم ـ بل أجزم ـ أن أولئك المولعين لم يقرؤوها كاملة، ولكن كي يشعر أصدقاءه أنه على قيد الحياة مررها بكل بساطة إلينا دون اكتراث.

يجب علينا، لا استثناء في ذلك بين خاصة وعامة، أن نتثبت من المعلومات التي نمررها للآخرين، فبعضنا يمرر أكاذيب، وبعضنا يمرر معلومات مسمومة ضد الوطن، وبعضنا يمرر معلومات خاطئة، ولا سبيل إلى تجنب ذلك إلا بأن نقدر العقول العبقرية التي اخترعت هذه التقنيات المدهشة، وأن نعمل عقولنا فيما يصلنا، فإن تأكدنا من سلامته مررناه، وإن أحسسنا بأنه دون ذلك تركناه ولم نسمح لأنفسنا بتمرير المحتوى التافه أو الضار أيا كان.


أضف تعليقاً