الرأي
الثلاثاء 6 رمضان 1439 - 22 مايو 2018
السمو الإنساني على الهويات الدنيا!

تحقننا هوياتنا المختلفة منذ الصغر بالكثير من الأفكار العنصرية، والامتيازات الوهمية (أحيانا)، وتعمل على زرع أفضليتنا بأدبيات تتعنصر حتى تشعرنا بالامتياز على الآخرين، فتنشأ معنا النظرة الدونية للآخر، وتكبر عقد الارتياب، والحذر، والعداء، وغيرها من العقد التي يراها الآخر فينا، ولا نشعر مطلقا أنها متجذرة إلا حين يحاول الآخر لفت أنظارنا إلى خطأ اعتقاداتنا فيه أو في غيره من العالمين.

منذ الصغر والقبيلة والعائلة تزرع في أبنائها ـ بحسن نية ـ قيمة الاعتزاز، وهذا لا مراء فيه، لكن الكارثة حين تنمي الاعتزاز بالمفاضلة المعتمدة على التقليل من شأن الآخرين المجاورين ثم الأبعدين، فينشأ الجيل مفتونا بتلك المقولات، ومؤمنا بالأحكام الظالمة في حق الآخرين إلى درجة اليقين، ويظل في حالة دفاع عما زرع فيه آباؤه، وفي حالة صراع مع الآخر (الدون)، وإن أرغمته ظروف الحياة على التعايش والتعامل، انتقل الصراع إلى داخله، فيحيا حياة قلقة لا راحة فيها ولا اطمئنان، إلا من وهبه الله سعة النظر والمقارنة حتى يبلغ مرتبة (الإنسانية)، مرفأ الأمان والسلام والتعايش الحقيقي.

ولعل أقسى أنواع العنصرية، تلك التي تنمو بفعل المعتقد ـ أيا كان ـ فالمعتقد مرتكز على الإيمان، والإيمان حالة يحياها الإنسان بين ثنائية (الثواب والعقاب)، فإن زرع المعتقد (كراهية) المختلفين عقديا ومعاداتهم سيظل الإنسان مقيدا حتى عن بلوغ المرتبة الإنسانية، وهذا ما يظهر جليا في كثير من الحركات الدينية المتشددة حول العالم، إذ تختفي من أدبياتها مصطلحات الرحمة والإنسانية والتعايش، وتتطرف حتى تعد دعاة هذه المصطلحات بين ظهرانيها عبئا على معتقدها، فتحصرهم في دائرة الاتهام.

إذن فلكل إنسان مجموعة من الهويات المختلفة، عرقا ولغة ودينا ووطنا وغيرها، تشكل هذه الهويات امتيازات الإنسان وثقافته وآراءه، لكن هويته الكبرى (الإنسانية) هي المحطة التي تذوب فيها كل الهويات، فإن استطاع بلوغها، والنظر من خلالها إلى الوجود؛ اختلفت نظرته للحياة والأحياء، وتخلص من الأفكار (السالبة) التي حقنته بها الهويات الدنيا، إذ تأخذه النزعة الإنسانية إلى مرافئ السلام الداخلي مع ذاته، والسلام الخارجي تجاه الآخرين.

نحن اليوم في عالم مختلف عن عالم الأمس، عالم تشابكت خيوط نسيجه، وأصبح كل خيط لا يستغني ـ مطلقا ـ عن الآخر، أيا كان هذا الآخر، يتأثر أهل الشرق بحادث في الغرب، وينزعج أهل الغرب من أزمة في الشرق، ولا يستطيع كل فرد أو كيان مهما بلغت قوته الانعزال والعيش منفردا عن (العالم)، لذلك لا مناص من الدفع باتجاه الإنسانية، ولتمثل الأمر تأملوا نكبة الشعب (السوري) الشقيق، والتي اضطرت أبناءه للفرار من وطنهم، فرأى اللاجئ السوري جمال الإنسانية في (المرحبين)، وقبحها في (المانعين) والمتذبذبين. فما أحوجنا إلى السمو إلى هويتنا الإنسانية في التعاطي مع بعضنا البعض ومع الآخر؛ لنتعايش في سلام ووئام.

@ahmad_helali


أضف تعليقاً